الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٣
من نفسك أنك لم ترده، وأني أزلت اختيارك من غير أن باشرت مني شيئاً، أو ممن أمرته بأن يباشرك، أو ممن قصد إلى اختيارك وإن لم آمره، إلا ما يكون من قدرة الله القاهرة.
وأنت يا يوناني يمكنك أن تدعي، ويمكن غيرك أن يقول: إني واطأتك على ذلك، فاقترح إن كنت مقترحاً ما هو آية لجميع العالمين.
قال له اليوناني: إن جعلت الاقتراح إلي، فأنا أقترح: أن تفصل أجزاء تلك النخلة، وتفرقها وتباعد ما بينها، ثم تجمعها وتعيدها كما كانت.
فقال علي (عليه السلام) هذه آية وأنت رسولي إليها ـ يعني إلى النخلة ـ فقل لها: إن وصي محمد رسول الله يأمر أجزائك: أن تتفرق وتتباعد.
فذهب، فقال لها ذلك، فتفاصلت، وتهافتت، وتنثرت، وتصاغرت أجزاءها حتى لم ير لها عين ولا أثر، حتى كأن لم تكن هناك نخلة قط.
فارتعدت فرائص اليوناني وقال: يا وصي محمد رسول الله، قد أعطيتني اقتراحي الأول، فاعطني الآخر، فأْمُرها أن تجتمع وتعود كما كانت.
فقال: أنت رسولي إليها، فعد فقل لها: يا أجزاء النخلة، إن وصي محمد رسول الله يأمرك أن تجتمعي كما كنت، وأن تعودي.
فنادى اليوناني، فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثم جعلت تجتمع، جزؤ جزؤ منها، حتى تصور لها القضبان، والأوراق، وأصول السعف، وشماريخ الأعذاق، ثم تألفت، وتجمعت، وتركبت، واستطالت، وعرضت، واستقر أصلها في مقرها، وتمكن عليها ساقها، وتركب على الساق قضبانها،وعلى القضبان أوراقها، وفي أمكنتها أعذاقها.