حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٣٠ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
ممّا ستأتي الإشارة إلى بعضه تصريحا و تلويحا، إلى غير ذلك من عظيم الآيات المعلومة بالقطع بين علماء السّير، و نقلة الأخبار، و رواها العدد الكثير في جميع الأعصار، من الصّحابة و التّابعين، فمن بعدهم، و لم تزدد على مرّ الأيّام إلّا ظهورا. و مجموع معناها بالغ مبلغ التّواتر بين البرّ و الفاجر، كما يعلم جود حاتم، و شجاعة عليّ بالضّرورة. و إن لم تبلغ كلّ واقعة منها بعينها مبلغ التّواتر، بل و أكثرها كان في المجامع الحفلة، و العساكر الجمّة من الصّحابة رضي اللّه عنهم، ثمّ رواها عنهم الكافّة، و لم يرو عن أحد منهم مخالفة للرّاوي فيما رواه، و الإنكار لما نسبه إليهم من المشاهدة لها و حكاه.
فسكوت السّاكت منهم/ كنطق النّاطق، و كثيرا ما يحصل العلم الضّروريّ بشيء لإنسان دون آخر، كمن يعلم جملة من أخبار الملوك الماضية، و البلدان النّائية، و آخر لا يعرف وجودها، فضلا عن تحقّق أخبارها.
ثمّ إنّ من أعظم معجزاته (صلى اللّه عليه و سلم) الباهرة، و آيات نبوّته الظّاهرة، و دلائل صدقه: معجزة القرآن العظيم، المستمرّة على مرّ الدّهور و الأزمان، المشاهدة لجميع الإنس و الجانّ، و قد انطوى على وجوه من الإعجاز- ستأتي الإشارة إليها في الباب السّادس- لا يحصرها عدّ، و لا يحيط بها حدّ.
فلمّا أظهر (صلى اللّه عليه و سلم) هذا الكلام البليغ، الّذي أعجز به البلغاء، و اللّدّ [١] الفصحاء، مع ما اشتمل عليه من نبأ القرون السّالفة، و الشّرائع الدّاثرة، ممّا كان لا يوجد في القصّة الواحدة، إلّا عند الفذّ من الأحبار و الرّهبان، و لا ينالها بالتّعلّم إلّا من قطع
[١] اللّدّ: المجادلين.