حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٣٢ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
كما أخبر به على سائر الأديان.
و هل للنّبوّة و الرّسالة معنى غير هذا في الاستدلال؟ و ما ذا بعد الحقّ إلّا الضّلال؟
ثمّ إذا ثبتت نبوّته (صلى اللّه عليه و سلم)- و قد دلّ كلام ربّه المنزّل على أنّه خاتم النّبيين، و أنّه مبعوث إلى النّاس أجمعين- ثبت بذلك عموم رسالته، و نسخ شريعته لسائر الشّرائع، لوجوب طاعته و اتّباعه على الكلّ: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ٨٥].
و في «صحيحي البخاريّ و مسلم»: «مثلي و مثل الأنبياء، كرجل بنى دارا، فأكملها و أحسنها إلّا موضع لبنة فيها، فجعل النّاس يدخلونها و يتعجّبون و يقولون: لو لا موضع هذه اللّبنة، فأنا اللّبنة، و أنا خاتم النّبيّين» [١].
فإن ادّعى مدّع خصوص رسالته إلى العرب فقط، فقد اعترف بنبوّته، و الكذب ممتنع على الأنبياء اتّفاقا.
و قد حصل العلم القطعيّ أنّه (صلى اللّه عليه و سلم) جاء بكتاب من عند اللّه، ناطق بعموم رسالته إلى النّاس أجمعين، كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [سورة الأعراف ٧/ ١٥٨]. و بأنّه ادّعى عموم الرّسالة إلى الأحمر و الأسود، و البعيد و القريب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ [سورة الأنعام ٦/ ١٩]- أي: من بلغه القرآن-.
/ و تواتر النّقل عنه أنّه (صلى اللّه عليه و سلم) دعا اليهود و النّصارى و غيرهم إلى الإيمان، و أرسل كتبه إلى ملوك الفرس و الرّوم و غيرهم، و ألزمهم
[١] أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٤١- ٣٣٤٢). و مسلم برقم (٢٢٨٧). عن أبي هريرة رضي اللّه عنه.