حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٢٤ - الباب الخامس في اثبات أنّ دينه
بحقيقة النّبوّة من لم يذق شيئا من سلوك طريق أهل اللّه تعالى، و أولياء اللّه تعالى، برياضة الأنفس و تزكيتها، و تصفية القلوب، و تهذيب الأخلاق.
لأنّ كرامات الأولياء على التّحقيق بدايات الأنبياء، و قد كان ذلك أوّل حال نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم)، حيث كان يتعبّد في (حراء)، و كان يؤثر العزلة للخلوة بربّه، و التّجرّد و التّبتّل؛ و هو الانقطاع عن الخلائق إلى الخالق، و هو الذّهاب إلى اللّه تعالى، الّذي أشار إليه الخليل (عليه الصّلاة و السّلام) بقوله: وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [سورة الصّافّات ٣٧/ ٩٩].
فمن مارس تلك الطّريق اتّضح له طرف من حقيقة النّبوّة، ما هي و خاصّيّتها بالكشف و العيان، و من لم يبلغ هذه الرّتبة فلا بدّ له من التّنبيه على أصلها و إمكانها، ثمّ وجودها عموما، ثمّ لشخص معيّن، بإقامة البرهان، لشدّة مسيس الحاجة إليها.
و أمّا دليل أصلها: فكلّ عاقل قاطع بأنّ الإنسان أوّل ما يدرك من مراتب العلم في صغره/ و طفوليّته العلم بالحواسّ الخمس، الّتي هي. السّمع، و البصر، و الشّمّ، و الذّوق، و اللّمس.
فيدرك بكلّ واحدة من هذه عالما لا يدركه بالأخرى، و من تعطّلت عليه حاسّة منها- كالبصر مثلا- لم يدرك ما حقيقة الألوان، إلّا بسماعها بالتّواتر، فإنكاره لها مكابرة جاهل بما لم يعلم، و تكذيب بما لم يحط بعلمه، و قد أحاط به غيره، فيحتجّ عليه المبصر بأنّ عندك حاسّة الشّمّ و زيد أخشم [١] لا يفرّق بين رائحة المسك و الجيفة، فما ذا نقول له لو زعم التّسوية بين المسك و الجيفة؟
[١] الأخشم: من أصابه داء في أنفه فأفسده، فصار لا يشمّ.