المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٨ - ٤٤٨- قيس بن الملوح بن مزاحم، و هو مجنون ليلى
و كانت له داية يأنس بها، و كانت تخرج إلى الصحراء فتحمل له رغيفا و ماء، فربما أكله و ربما تركه، حتى جاءت يوما و هو ملقى بين الأحجار ميتا، فاحتملوه/ إلى الحيّ، فغسلوه و دفنوه، و لم يبق في بني جعدة و لا في بني الحريش امرأة إلا خرجت حاسرة صارخة عليه تندبه، و اجتمع فتيان الحيّ يبكون عليه أشد بكاء، و ينشجون أشد نشيج [١]، و حضرهم حي ليلى معزين و أبوها معهم، و كان أشد القوم جزعا و بكاء عليه، و جعل يقول: ما علمت أن الأمر يبلغ كل هذا، و لكني امرؤ عربي أخاف من العار، و قبح الأحدوثة، فزوجتها و خرجت عن يدي، و لو علمت [٢] أن أمره يجري على هذا ما أخرجتها عن يده، فما رئي يوما كان أكثر باكيا منه.
و بينما هم يقلبونه وجدوا خرقة فيها مكتوب:
ألا أيها الشيخ الّذي ما بنا يرضى * * * شقيت و لا هنيت من عيشك الخفضا
شقيت كما أشقيتني و تركتني * * * أهيم مع الهلّاك لا أطعم الغمضا
كأن فؤادي في مخاليب طائر * * * إذا ذكرت ليلى يشد بها قبضا
كأن فجاج الأرض حلقة خاتم * * * عليّ فما تزداد طولا و لا عرضا
و من أشعاره الرائقة قوله [٣]:
و شغلت عن فهم الحديث سوى * * * ما كان منك فإنه شغلي [٤]
و أديم لحظ محدثي ليرى * * * أن [٥] قد فهمت و عندكم عقلي
و قوله [٦]:
عجبت لعروة العذري أمسى * * * أحاديثا لقوم بعد قوم
[١] في الأصل: «ينشجون أشد تشنج» و ما أوردناه من اللَّه و الأغاني.
[٢] في ت: «و لو كان».
[٣] الأغاني: ٢/ ٦٥.
[٤] في الأصول: «فأنتم شغلي» و ما أوردناه من ت.
[٥] في الأصول: «و أديم نحو محدثي نظري إن قد». و ما أوردناه من الأغاني.
[٦] الأغاني ٢/ ٧٧.