المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٦ - ثم دخلت سنة سبعين و ثلاثمائة
ركب المطيع إلى معز الدولة يعزيه عنها، فنزل معز الدولة، و قبّل الأرض بين يديه، و أكثر الشكر، فلما صار عضد الدولة إلى بغداد في الدفعة الأخيرة مستوليا على الأمور فيها، أنفذ أبا الحسن محمد بن عمر العلويّ من معسكره ندبا إلى حضرة الطائع، فوافى [باب] [١] دار الخلافة نصف الليل، و راسل بأنه قد حضر في مهم، فجلس له الطائع و أوصله فقال: يا مولانا أمير المؤمنين، قد ورد هذا الملك، و هو من الملوك المتقدمين، و جاري مجرى [٢] الأكاسرة المعظمين، و قد أمل من/ مولانا التمييز عن [٣] من تقدمه، و التشريف بالاستقبال الّذي يتبين على جميل الرأي فيه، فقال الطائع: نحن له معتقدون، و عليه معتزمون، و به قبل السؤال متبرعون، فأعلمه ذلك، قال ابن حاجب النعمان: و لم يكن للطائع نية في ذلك و لا هم به، لأنه علم أنه لا يجوز ردّه فأحب أن يجعل المنة ابتداء منه.
قال محمد بن عمر: فعدت إلى عضد الدولة من وقتي، فعرفته ما جرى فسر به، و خرج الطائع من غد فتلقاه في دجلة.
قال محمد بن عمر: فقال لي عضد الدولة، هذه خدمة قد أحسنت القيام بها، و بقيت أخرى لا نعرف فيها غيرك، و هي منع العوام من لقائنا بدعاء و صياح. فقلت: يا مولانا تدخل إلى البلد قد تطلعت نفوس أهله إليك، ثم تريد منهم السكوت، فقال: ما نعرف في كفهم سواك، و كان أهل بغداد قد تلقوه مرة بالكلام السفيه، فما أحب أن تدعو له [٤] تلك الألسنة. قال: فدعوت أصحاب المعونة و قلت: قد أمر الملك بكذا و توعد ما يجري من ضده بضرب العنق، فأشاعوا في العوام ذلك، و خوفوا من ينطق بالقتل، فاجتاز عضد الدولة، فرأى الأمر على ما أراد، فعجب من طاعة العوام لمحمد بن عمر، فقال: هؤلاء أضعاف جندنا، و قد أطاعوه، فلو أراد بنا سوءا كان، و رأى في روزنامج [٥]
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] في ص، ل: «و جاري مجاري».
[٣] في الأصل: «على من تقدمه».
[٤] «له» سقطت من ص، ل.
[٥] في الأصل: «رورهمانج».