المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦٤ - ٢٦٤٣- أحمد بن الحسين
قال المحسن: و سألت المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به، و قال: أنا رجل أختط [١] القبائل، و أطوي البوادي وحدي، و متى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بيننا [٢] و بين القبيلة التي انتسب إليها، و ما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم.
قال المحسن: و اجتمعت بعد موت المتنبي بعد سنين مع القاضي أبي الحسن ابن أم شيبان الهاشمي، و جرى ذكر المتنبي، فقال: كنت أعرف أباه بالكوفة شيخا يسمى:
عبدان، يستقي على بعير له، و كان جعفيا صحيح النسب، قال: و كان المتنبي لما خرج إلى كلب، فأقام بينهم [٣] ادعى أنه علوي حسني، ثم ادعى بعد ذلك النبوّة، ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن شهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين، و حبس دهرا طويلا، و أشرف على القتل، ثم استتيب و أشهد عليه بالتوبة و أطلق.
قال المحسن: و حدثني أبو علي بن أبي حامد، قال: سمعت خلقا كثيرا بحلب يحكون و أبو الطيب المتنبي بها إذ ذاك أنه تنبأ في بادية السماوة و نواحيها إلى أن خرج بها لؤلؤ أمير حمص، فقاتله و أسره و شرّد من كان اجتمع إليه من كلب و كلاب و غيرهما من قبائل العرب، و حبسه دهرا طويلا فاعتل و كاد يتلف، فسئل في أمره، فاستتابه و كتب عليه ببطلان ما ادعاه/ و رجوعه إلى الإسلام، قال: و كان قد تلا على البوادي كلاما ذكر أنه قرآنا أنزل عليه، فمن ذلك: «و النجم السيار، و الفلك الدوار، و الليل و النهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن اللَّه قامع بك زيغ من ألحد في دينه و ضل عن سبيله».
قال: و كان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة فذكر أن له [٤] هذا القرآن و أمثاله مما يحكى عنه فينكره و يجحده. قال: و قال ابن خالويه النحويّ يوما في مجلس سيف الدولة: لو لا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي، لأن «متنبي» معناه:
[١] في المطبوعة: «أخبط».
[٢] في ل: «بينها».
[٣] في ص، ل: «فيهم».
[٤] في الأصل: «يذكر له».