المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٣ - ٢٧٤١- تميم بن المعز
فطرب الأمير تميم، و من حضر طربا شديدا، ثم غنت:
أستودع اللَّه في بغداد لي قمرا * * * بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فاشتد طرب تميم، و أفرط جدا ثم قال لها: تمني ما شئت فلك مناك. فقالت:
أتمنى عافية الأمير و بقاءه، فقال: و و اللَّه لا بد لك أن تتمني. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم. فقالت: أتمنى أن أغني هذه النوبة ببغداد. فاستنقع لون تميم، و تغير لونه، و تكدر المجلس، و قام و قمنا كلنا.
قال ابن الأشكري فلحقني بعض خدمه و قال لي: ارجع، فالأمير يدعوك.
فرجعت فوجدته جالسا ينتظرني، فسلّمت و جلست بين يديه، فقال: [ويحك] [١] أ رأيت ما امتحنا به. قلت: نعم أيها [٢] الأمير. قال: لا بد من الوفاء لها و ما أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك/ فاصرفها فقلت: سمعا و طاعة، قال: ثم قمت و تأهبت، و أمرها [٣] بالتأهب، و أصحبها جارية له سوداء تعاد لها و تخدمها، و أمر بناقة و محمل فأدخلت فيه، و حملها معي، ثم سرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا [٤] ثم دخلنا في قافلة العراق، و سرنا فلما وردنا القادسية أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيدتي أين نحن، فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفت إليها فأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد تدافع [٥] بالغناء:
لما وردنا القادسية * * * حيث مجتمع الرفاق
و شممت من أرض الحجاز * * * نسيم أرواح العراق
أيقنت لي و لمن أحب * * * بجمع شمل و اتفاق
و ضحكت من فرح اللقاء * * * كما بكيت من الفراق
فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيذي باللَّه، أعيذي باللَّه. قال: فما سمع لها كلمة.
[١] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
[٢] في الأصل: «إيه».
[٣] في الأصل: «و أمر لها».
[٤] في الأصل: «الحج».
[٥] في ل، ت: «تدافع بالغناء».