نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٧ - الشرح والتفسير حفظة علم اللَّه
لا ينافي هذا التعبير الاختيار في الأعمال لأنّ الإنسان إن انطلق مختاراً إلى اللَّه أتته الإمدادات الغيبية والعنايات الإلهيّة، وبغض النظر عن ذلك فإنّ اللَّه أودع البشريّة منذ البداية أرضية الصلاح والسعادة لتطوي بها مسيرة التكامل.
ثم أشار عليه السلام إلى صفتين من صفات أولئك العلماء الربانيين فقال: «فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ».
نعم! حبّهم لأحدهم الآخر للَّهوإرتباطهم ناشىء من علاقتهم المشتركة بالكمالات، أمّا المنافع المادية والصلات الحيوانية والاشتراك في المقامات الدنيوية ليست سبباً قط في إرتباطهم وحبّهم لبعضهم البعض.
ثم بيّن في ختام هذه الفقرة بتشبيه رائع كيفية انتخاب هذه الفئة من بين سائر الناس وقال: «فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَذْرِ يُنْتَقَى [١]، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى، قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ، وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ [٢]».
أجل! هؤلاء بذور عالم الخليقة المنتقى الذين اختارهم خالق عالم الوجود للتهذيب والكمال ليجعلهم بهيئة شجرة طيبة أُكلها دائم بتوفيق اللَّه ومدده الغيبي.
وزبدة الكلام أنّ هؤلاء الأعلام الذين يتصفون بهذه الصفات ويطوون مراحل التكامل في ظل عناية اللَّه ويزدادون كلّ يوم قرباً من اللَّه لم يبلغوا هذا المقام عبثاً، فقد جدوا واجتهدوا في إصلاح أنفسهم وجلاء قلوبهم من صدأ الأهواء وأخلصوا نيّاتهم واجتازوا الامتحان الإلهي الشاق فبلغوا ذلك المقام، وتلك عاقبة كلّ من سلك طريقهم.
[١]. «ينتقى» من «النقاوة» بمعنى الطاهر والخالص، وتعني الاصطفاء والاختيار حين تأتي في باب افتعال.
[٢]. «التمحيص» التطهير والإخلاص وورد بهذا المعنى أيضاً من مادة «محص» على وزن «فحص»، وإن تضمن التمحيص تأكيداً أكثر ولما كان الامتحان سبب التنقية والتطهير فقد وردت هذه المفردة بمعنى الامتحان.