نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - الشرح والتفسير حفظة علم اللَّه
العلوم الربانية عمّن لا يستحقها، أو بمعنى أنّهم صانوا هذه العلوم بأمانة وجهدوا في إيصالها من جيل لآخر من خلال تأليف الكتب ونشرها.
وواصل كلامه بالإشارة إلى أربع صفات أخرى فقال: «يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ، وَيَتَلَاقَوْنَ بَالْمَحَبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ [١] وَيَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ [٢]».
فقد أشار الإمام عليه السلام في المقطع السابق إلى الأبعاد العلمية لأولئك العلماء الربانيين وتطرق هنا إلى جوانبهم العلمية؛ وربّما كان المراد من « «يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ» ولاية اللَّه وأوليائه التي ربطت هذه الفئات مع بعضها؛ أو الولاية بمعنى الحب والمودة التي الفت قلوبهم.
وتشير العبارة «وَيَتَلَاقَوْنَ بَالْمَحَبَّةِ» إلى أنّ هذه المحبّة القلبية تتجلى حين لقائهم بالفعل والقول.
وتشير العبارة الثالثة إلى أنّ جلساتهم مركز تبادل العلوم والمعارف؛ فكلّ منهم يملأ إناء الآخر بعلمه كما ورد في العبارة الرابعة «وَيَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ» ثم قال في بيان صفتين اخريين «لَا تَشُوبُهُمُ الرِّيْبَةُ، وَلَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ». ولعل العبارة (ريبة) تشير إلى أنّ مبانيهم العقائدية وإيمانهم على درجة من الرسوخ بحيث لا يشوبه أدنى شك وارتياب أو أنّ حياتهم نقية وطاهرة بحيث لا يشك أحد في حسن سريرتهم ودقّة أعمالهم كما يمكن أن تشير العبارة «وَلَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ» أنّهم لا يتلوثون بالغيبة أو أنّهم على درجة من الطهر بحيث لا يسمح الآخرون لانفسهم باغتيابهم.
طبعاً لا تتنافى هذه التفاسير المتعددة ويمكن جمعها معاً في مفهوم العبارة السابقة.
ثم قال على سبيل التأكيد: «عَلَى ذلِك عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ».
[١]. «رويّة» صفة مشبّهة من «ريّ» على وزن «حىّ» زوال العطش.
[٢]. «بريّة» تركيب من الباء الجارّة و «ريّة» اسم المصدر من «ريّ» على وزن «حيّ» الري من العطش.