نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٣ - الشرح والتفسير خلق الجبال
كيف تهب الجبال الأرض الاستقرار وتحول دون اضطرابها؟ وتتضح الاجابة عن هذا السؤال من خلال قضية هي أنّ نواة جوف الأرض مواد مذابة وغازات تسلط ضغطاً على الدوام على القشرة الخارجية وتظهر أحياناً كبراكين، إلّاأنّ الجبال لا تتحمل تلك الضغوط بفعل جذورها المحكمة والمتصلة فتحول دون الاضطراب فتصبح مصدراً لاستقرار القشرة الأرضيّة.
أضف إلى ذلك فإنّ الجبال تعتبر من العوامل المؤثرة في استقرار الأرض بفعل الضغوط الخارجية الناشئة من جاذبيّة الشمس والقمر وما يحصل منها من مد وجزر، من جانب آخر فإنّها ملاذات إزاء العواصف التي تصيب سطح الأرض ومن شأنها تهديد حياة الإنسان، ومن أراد المزيد بهذا الخصوص فليراجع الخطبة ٩١ من الجزء الرابع لهذا الشرح وتفيد العبارة «فسكنتا على حركتها» استنادا للعبارة «على» أنّ الإمام عليه السلام أشار بوضوح آنذاك إلى حركة الأرض التي كان يقول بسكونها آنذاك جميع علماء الهيئة حيث قال رغم حركة الأرض إلّاأنّها مستقرة ولا تعرض سكانها للاضطراب.
وقد أشار المرحوم العلّامة شرف الدين صاحب كتاب (مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام) إلى هذه النقطة الظريفة [١].
ثم قال عليه السلام: «فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا، وَأَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا، فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً، وَبَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً! فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لَايَجْرِي، وَقَائِمٍ لَايَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ [٢] الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ، وَتَمْخُضُهُ [٣] الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ [٤]؛ «إِنَ في ذلِك لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى»».
[١]. مصادر نهج البلاغة، ج ٣، ص ١١٧.
[٢]. «تكركر» من مادة «كركرة» على وزن «حنجرة» يرى البعض أنّها من مادة والبعض الآخر أنّها مادة مستقلة منالرباعي المجرّد وتعني التكرار.
[٣]. «تمخض» من مادة «مخض» على وزن «قرض» تعني في الأصل حركة اللبن لاستخراج الزبدة ثم اطلقت على كلّ حركة شديدة.
[٤]. «ذوارف» من مادة «ذرف» على وزن «حرف» سيلان الدمع من العين أو مطلق السيل و «ذوارف» جمع «ذارفة» بمعنى الجاري والصافي.