نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٣ - ١ علّة التسوية في العطاء
وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا، وظهرت عليه دعوتنا، أخذناه قسراً قهراً، ممن لا يرى الإسلام إلّاكرهاً.
فقال: فأمّا ما ذَكرتُماهُ مِنَ الاستشارة لَكُما فَواللَّهِ ما كَانتْ لِي فِي الولاية رَغبةً، وَلكِنكُم دَعوتُمونِي إليها، وَجعلتُمونِي عَليها، فَخِفتُ أن أردّكُم فَتختَلفُ الامّة، فَلمّا أَفضتْ إليّ نَظرتُ فِي كِتابِ اللَّهِ وَسنّةِ رَسولهِ فَأمضيتُ مادلّانِي عَليهِ وَأتّبعتُه، وَلَم أَحتَج إلى آرائِكُما فِيهِ، وَلا رأى غَيركُما، وَلو وَقعَ حُكم لَيس فِي كِتابِ اللَّهِ بَيانُه وَلا فِي السنّة بُرهانُهُ، واحتِيج إلى المَشاورةِ فِيهِ لَشاورتُكُما فِيهِ، وَأمّا القِسم والأسوة، فإنّ ذَلكَ أَمرٌ لَم أَحكُم فِيهِ بادىء بِدء! قَد وَجدتُ أَنا وأنتُما رَسُول اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله يَحكُم بِذلكَ، وَكتابُ اللَّهِ ناطقٌ بهِ، وَهو الكَتاب الّذي لا يَأتيهِ الباطلٌ مِن بَين يَديِه وَلا مِن خَلفهِ تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ حَميدٍ، وَأمّا قَولُكُما: جَعلتَ فَيئنا وَما أَفاءتهُ سُيوفنا ورِماحُنا سَواء بَيننا وبَين غَيرنا، فَقَديماً سَبق الإسلام قَوم ونَصرُوه بِسيوفِهم وَرِماحهِم فَلم يُفضّلُهم رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله فِي القسم، وَلا آثرهم بِالسّبق، واللَّهُ سبحانه مُوفٍ السّابقَ وَالمُجاهدَ يَومَ القِيامةِ أَعمالَهُم، وَلَيس لَكُما وَاللَّهِ عِندي وَلا لِغَيركُما إلّاهَذا، أَخذ اللَّهُ بِقُلوبِنا وَقُلوبِكُم إلى الحقّ، وَأَلهَمنا وَإيّاكُم الصّبر، ثم قال: رَحم اللَّهُ امرأً رَأى حَقّاً فَأعانَ عَليهِ، وَرأى جَوراً فَردّه، وَكانَ عَوناً للحقّ عَلى مَن خَالفَهُ.
ثم قال ابن أبي الحديد:
فإن قلت: فإنّ أبابكر قسّم السواء، كما قسمه أميرالمؤمنين عليه السلام ولم ينكروا ذلك، كما أنكروا أيّام أميرالمؤمنين عليه السلام، فما الفرق بين الحالتين؟
قلت: إنّ أبابكر قسم محتذياً لقسم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله، فلما ولي عمر الخلافة وفضّل قوماً على قوم ألفوا ذلك، ونسُوا تلك القسمة الاولى، وطالت أيّام عمر، وأشربت قلوبهم حبّ المال ... ولما ولي عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر يجريه، فازداد وثوق القوم بذلك، ومن ألف أمراً شقّ عليه فراقه، وتغيير العادة فيه،