نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - تأمّل الدنيا الممدوحة والمذمومة
وأبعد من ذلك آيات القرآن المجيد التي ذمّت الدنيا بشدّة ومنها ما ورد في سورة الزخرف: «وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّنْ فَضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ* وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ» [١].
وإن رتبنا هذه الآيات والروايات مع بعضها لورد هذا السؤال: إن كانت الدنيا بكلّ هذا الحسن، فلِمَ كانت سيئة لهذا الحدّ، وإن كانت سيئة فلم هذا الحسن؟
يكمن الجواب في عبارة: أنّ الاختلاف نتيجة لاختلاف الرؤى.
والذين يكتفون بالنظر الظاهري وأصحاب الدنيا من ذوي النظرة الضيقة والسطحية لا يرون سوى زخارف الدنيا وزينتها وملذاتها فيتعلقون بها، والدنيا خطيرة للغاية على هذه الفئة، ولما كانت هذه الفئة تشكل الأكثرية، كانت هنالك الكثير من الآيات والروايات التي تذم الدنيا ولذلك يهتف القرآن: «فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّه الْغَرُورُ» [٢] الجدير بالذكر أنّ الدنيا الغرور في هذه الآية عدت في مصاف الشيطان المكار (لأنّ المراد من الغرور في هذه الآية هو الشيطان).
أمّا أهل البصائر والمؤمنون الصلحاء والعقلاء الذين ينظرون ببصرهم الحاد إلى باطن الدنيا ويرون بأُفقهم البعيد بدايتها ونهايتها وتتجسد لهم عاقبة الأسلاف وتاريخهم ويضعون مصير الفراعنة والعمالقة والأباطرة نصب أعينهم يسمعون بآذان أرواحهم رسائل الوعظ الدنيوي المشفق ويعتبرون بتلك الدروس؛ فيستبدلون الدنيا بجامعةٍ لكسب المعارف الربانية ومتاجر للتزود وحمل المتاع ومعبد رائع للعروج إلى ساحة القرب الربوبي.
وزبدة الكلام فإنّ الدنيا حسب قول أميرالمؤمنين علي عليه السلام في إحدى الخطب:
«مَنْ أبْصَرَ بِها بَصَّرْتَهُ وَمَنْ أَبْصَرَ إلَيْها أعْمَتْهُ» [٣].
[١]. سورة الزخرف، الآيات ٣٣- ٣٥.
[٢]. سورة فاطر، الآية ٥.
[٣]. نهج البلاغة، الخطبة ٨٢.