نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - الشرح والتفسير الدنيا أعظم واعظ
خاض في العبارات الآتية في شرحها قائلًا: «وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُك مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِك، وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِك، أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَك، أَوْ تَغُرَّك. وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَك مُتَّهَمٌ، وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ».
إشارة إلى أنّ الدنيا عندما تصيبك بأنواع البلاء والمصائب والأحداث الأليمة وتغير القدرة، وهي صادقة ولا يصح وصفها بالخداع كما صدق من أخبرك من أولياء اللَّه والصالحين عن غدر الدنيا وتقلب أحوالها وإن لم يكن كلامهم موافقاً لهوى نفسك؛ فلم تقبل لسان حال الدنيا ولا لسان حال أولياء اللَّه واتهمت الجميع بالكذب، وعليه فهذا أنت من غرّ نفسه.
كما يحتمل أن يكون تفسير العبارة الأخيرة، أنّالناصح هو الحوادث الأليمة وأخبار الصدق علامات غدر الدنيا التي يراها الإنسان بعينه ويسمعها بأذنه؛ ولكنّها حيث لا تتفق وأهوائه فإنّه يكذبها جميعاً ويقول هي مجرّد حادثة صدفة فزالت ولن تتكرر.
ثم وضح أكثر هذه الحقيقة وجعلها معلومة للجميع فقال: «وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ [١]، وَالرُّبُوعِ [٢] الْخَالِيَةِ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِك، وَبَلَاغِ مَوْعِظَتِك، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْك، وَالشَّحِيحِ [٣] بِك!».
ثم قال في آخر عبارة: «وَ لَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلًّا! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ».
إشارة إلى أنّ الأفراد المؤمنين واليقظين يسعهم أن يجعلوا من هذه الدنيا المليئة بالشر والمفعمة بالغرور والخداع وسيلة لسعادتهم الأبديّة وسلّماً لبلوغ المقامات
[١]. «خاوية» اسم فاعل من مادة «خَوى» بمعنى خالي ويعني أحياناً المتهدم.
[٢]. «ربوع» جمع «ربع» على وزن «رفع» البيت والسكن كما وردت بمعنى المنطقة أو الجماعة من الناس والمعنى الأوّل هو المراد هنا.
[٣]. «شحيح» من مادة «شحّ» على وزن «مخ» البخل مع الحرص الذي يصبح عادة لذلك يطلق «شحيح» أحياناً على الفرد الحريص على صديقه وهذا هو المعنى المراد في العبارة.