السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٨
الإنسان نوعاً من الإرتباك الروحي والجفاف العاطفي، وهذا الاضطراب والقلق المبهم، وأحياناً من دون أن يعلم له الإنسان علّة معينة، يكاد يعصف بروح الإنسان كالطوفان الموحش ويمزقه تمزيقاً.
الكثير من الناس الذين يعيشون بين أصدقائهم واخوانهم يشعرون بالوحدة والوحشة تقض مضاجعهم وتلهب أرواحهم، ويتصورون أن لا يوجد أحد يدركهم ويفهم ما يختلج في أعماق وجودهم وكأنّهم موجودات زائدة في العالم المضطرب وقد تحوّلت حياتهم إلى العدمية واللاهدفية، فيجد الشخص في نفسه العطش والفراغ من ذاته ومن الآخرين لشعوره بالكراهية والمقت، ولهذا فهو يعيش اللامبالاة والتشاؤم أمام كل حادثة.
وينبغي القول بكل ثقة إنّ جميع هذه الظواهر الروحية هي نتيجة حقيقة مهمّة وكبيرة قد أهملها الإنسان في مطاوي النسيان، ولهذا يعيش الحيرة في حركة الحياة، ولعله يتصور أنّ هذه الحقيقة قد أصبحت قديمة أو لا حاجة له بها، ولا ضرورة للاهتمام بها في أجواء الفكر والعواطف والعلاقات الاجتماعية، ولذلك تركها الإنسان في زواية النسيان، هذه الحقيقة المهمّة هي «اللَّه» تعالى، خالق عالم الوجود، ومُبدىء المخلوقات والكائنات في العالم، والحاكم المقتدر على جميع قوانين الطبيعة وما وراء الطبيعة.
أجل عندما يعيش الإنسان حالة النسيان والاهمال لهذه الحقيقة فهو في الواقع يعيش بلا أمل معين وبلا رؤية مستقبلية واضحة في حياته وبالتالي يعيش النسيان لذاته ولكل شيء ... الكثير من الشخصيات العالمية يعترفون بأنّهم أمضوا فترة عويصة من حياتهم مليئة بالاضطراب والقلق والحيرة، ولكن عندما وصلوا إلى منهل الإيمان باللَّه واغترفوا من ماء الحياة لهذا الغدير الزلال عاشوا حياة جديدة وكأنّهم ولدوا من جديد ... وقد نالوا اقتداراً