السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨١
١٦ التوجّه الدائم والذكر المستمر
إنّ كثرة المشاغل وتنوّع الأعمال والنشاطات اليومية تعتبر آفة لدوام الذكر واستمرار حضور القلب، فلو لم يتحرك الإنسان منذ السحر بشدّ أدوات العزم على السير في خط الإيمان والانفتاح على اللَّه ولم يعقد جوانحه على الالتزام بخط العبودية والمسؤولية: «اشدُدْ على العزيمة جوانحى» «١»
ولم يعمل على تبديل جميع أوقاته وأفعاله وسلوكياته رغم كثرتها وتنوعها إلى «وِرد واحد» ولم يتجه في حركاته وسكناته إلى جهة واحدة «اسئلك ... حتّى تكون أعمالي وأورادي كلّها ورداً واحداً» «٢»
فانّ المشاغل اليومية للإنسان من شأنها اسدال ستار النسيان والغفلة على واقع الروح أمام بصيرة القلب فيحرم السالك بذلك من أجواء الحضور: «وحالي في خدمتك سرمداً» «٣»
بل إنّ القلوب الطاهرة أيضاً تتأثر وتتلوث ويصيبها نوع من الظلمة والدرن بسبب الأعمال والمشاغل اليومية بحيث إنّ صاحب أطهر قلب في البشرية وهو الرسول الأكرم يقول: «إنّه ليُران على قلبي ...» «٤».
وبديهي أنّ الإنسان السالك ينبغي عليه من أجل نجاة روحه من هذه الظلمة وشوائب المشاغل الدنيوية وتحصيل «الوحدة» و «الاستقامة» و «وحدة الورد، ودوام التوجه والحضور»، أن يتحرك على مستوى الوقاية من جهة والعلاج من جهة اخرى، أمّا الوقاية فتكون باجتناب الحضور في مجالس العاطلين والاشتراك معهم في محافل اللهو والابتعاد عن الأفعال والأقوال المهملة واللغوية، بل يتحرك على مستوى ضبط حالاته وملكاته