السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١
أيّها الأعزاء! لقد جربت في هذا العمر القصير المعالم المرّة والتحديات الصعبة في الحياة ورأيت ما تتضمنه الحياة من تعقيدات وصعوبات وجرّبت العزّة والذلة والشدة والراحة، وأخيراً لمست هذه الحقيقة القرآنية بجميع وجودي: «وَ مَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» «١»، أجل الدنيا متاع غرور وخداع وهي فارغة وموهمة وزائفة أكثر ممّا نتصور.
إنّ الأمر الوحيد الذي يمنح هذه الحياة معنىً خاصاً ومفهوماً جميلًا هو الاعتقاد بالحياة الاخرى بعد الموت، فلو لم تكن هناك حياة بعد الرحيل من هذه الدنيا فلا يبقى معنىً ولا مفهوماً ولا هدفاً لهذه الدنيا.
إنني لم أجد في جميع سنوات عمري شيئاً ذا قيمة سوى ما كان يتصل بالابعاد المعنوية والقيم الأخلاقية للإنسان، فجميع القيم المادية تنتهي إلى سراب بقيعة، والناس نيام والتخطيط للدنيا رسم على الماء، والإنسان يعيش في هذه الدنيا في تعب دائم ومشقة مستمرة.
إنّ أطفال الأمس هم شباب اليوم، وشباب اليوم هم شيوخ الغد، وشيوخ يضطجعون غداً تحت التراب وكأنّهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً، عندما أمرّ إلى جانب بيوت كبار العلماء أو الشخصيات المهمّة في الأزمنة السابقة يتبادر إلى ذهني أنّ هذه البيوت كانت في زمن معين تغص بالرجال ومعمورة بالحركة والنشاط والضوضاء، وما أكثر الأنظار التي كانت متوجه إلى هذه البيوت من موقع التعظيم والتبجيل، ولكنها اليوم تلبس ثياب النسيان وترتدي حلّة غبار الزمان وتسكن في صمت رهيب، وأحياناً أتذكر الحديث الشريف لأمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال: «فَكَأَنَّهُمْ لَمْيَكُونُوا لِلدُّنْيا عُماراً وَكَأَنَّ الْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ داراً» «٢».