السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٤
الأجواء روعةً وبهاءً عظيماً، وبعد الانتهاء من التكبير اتجه المصلّون إلى جهة اليمين بحيث كانت أكتافهم الشمال صوب القبلة، وسبحوا اللَّه تعالى بجميع وجودهم وقالوا: «سبحان اللَّه» مائة مرّة، وكأنّ ذكر اللَّه تجلى حين ذلك بمعنىً جديد ومضمون عميق وكأنّه لأول مرّة يسمع الناس بمثل هذا التسبيح، فالذكر وقول «سبحان اللّه» لم يختلف في جميع الحالات، ولكنّ هذا الذكر يقال الآن بلسان آخر، لسان الشخص التائب والمنيب إلى اللَّه تعالى طالباً منه المغفرة والصفح ولا سيّما إذا اقترن ذلك مع البكاء والعويل وفي حالات التوبة والانابة، كل ذلك من شأنه إضفاء طابع الصفاء والخلوص على هذا الذكر.
«سبحان اللّه» تعني أنّ اللَّه تعالى منزّه عن كل نقص وشائبة، وإنّ ذنوبنا وخطايانا هي التي أدّت إلى وقوعنا في هذا البلاء وسقوطنا في بحر الامتحان وإلّا فأنت منزّه عن كل نقص وأسمى من كل شيء
وبعد الانتهاء من هذا الذكر المهيج بلسان المصلّين والصائمين والعاشقين الذين يعيشون في حالة من انكسار القلب توجه الجميع إلى جهة الشمال بحيث كانت أكتافهم اليمين هذه المرّة صوب القبلة وللمرّة الثالثة ارتفعت أصواتهم «لا إلهَ إلّااللَّه»، مائة مرّة، بمعنى أنّه لا معبود سوى اللَّه تعالى فأنت معبودنا وإلهنا وأنت القادر على إحيائنا واماتتناً، تعزّ من تشاء وتذل من تشاء، وتمنح البركة من تشاء وترزق من تشاء وترسل المطر إلى حيث تشاء فكل شيء بيدك وبمشيئتك وكل ما لدينا هو منك فقط.
إلهنا! لا نجاة لنا إلّابك فأنت المنقذ لنا والمصلح لُامورنا وبكرمك نعيش ونحيى، وبهذا الذكر نعترف لك بأن لا موجود يستحق العبودية سواك.
وعندما اتّجه المصلّون العشّاق صوب القبلة وفي حين توجه الإمام إلى المصلّين وللمرّة الرابعة اشتغل الجمع الغفير بذكر اللَّه تعالى، وهذه المرّة كأنّ المصلّين يرومون تقديم الشكر والثناء للَّهتعالى على توفيقهم للتوبة والإنابة وأنّ رحمته الواسعة شملتهم في هذا المكان ومنحتهم فرصة اخرى ليقدموا فروض الولاء والطاعة والعبودية إلى ساحة كرمه وجلالته