السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦
«في المدّة التي كنّا فيها في النجف استمر الوسواس في ما يتعلق بالمعارف والعقائد والأعمال ولكنّه خفّ تدريجياً حيث استمرت مطالعاتي في أبحاث مختلفة لاسيّما في بحوث الولاية والاستفادة من الكتاب القيم: «الغدير» واستمر دعائي وتوسلي لتطهير قلبي من الوسواس حتى حصلت على هدوء نسبي في وجودي، ثم توصلت بعد ذلك إلى هذه النتيجة وهي أنّ وجود نوع من الوسواس يعدّ جزء من طبيعة الاستدلالات البرهانية والنظرية وحتى أن أقوى أنواع الاستدلال في المسائل الاعتبارية والنظرية لا يمكنه ازاحة قسم من الوسواس، وإنّما طريق معالجة هذا المرض ينحصر في الوصول إلى «مقام الشهود» أي مشاهدة الحقيقة بعين القلب وإزالة الحجب النفسانية وبالتالي إزاحة ظلمة الوساوس واشراق نور اليقين على القلب.
وهذا المعنى هو ما ورد في قصّة إبراهيم الخليل عليه السلام في مسألة وصوله إلى مرتبة التوحيد الخالص كما يحدّثنا القرآن الكريم عن ذلك: «وَ كَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» «١»
أو قصّة إبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة التي حصل من خلالها على اليقين والاطمئنان بالمعاد كما يقول القرآن الكريم: «وَ إِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى» «٢»
ونحن بدورنا إذا وصلنا إلى تلك المرتبة التي يشرق فيها نور اليقين والاطمئنان على قلوبنا مهما كان ذلك النور المقدّس ضئيلًا فإننا سنحصل على اليقين وبالتالي لا يجتمع مع الوسوسة والشك، فمن الممكن أن نثبت قضية معينة بألف دليل، مثلًا قضية أنّ الآن وقت النهار، ولكن يمكن للوسوسة أن تجد لها مكاناً وتنفذ إلى مقدّمات البرهان الصغرى والكبرى، ولكن إذا تحركنا وقمنا بإزاحة الستار وفتحنا النافذة