السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤
«فصارت هذه الامور وأمثالها تفني مدّة طويلة من أحسن أيّام شباب طلّاب العلم وشيئاً كثيراً من نشاطهم العلمي وقواهم الفكرية وتمنعهم عمّا هو أهم وأنفع، فاصبحت هذه المشكلة بلاءً للعلم وأهله، ولهذا وغيره صارت أبحاثنا الفقهية اليوم تدور غالباً حول أبواب العبادات وشيء طفيف من المعاملات وبقيت سائر المباحث القيمة متروكة ومهجورة إلّاعند الأوحد من العلماء الأعلام.
ومن العجب أنّ كثيراً من الباحثين مع علمهم بجميع هذه الامور إذا اشتغلوا في البحث لا يملكون أنفسهم عن متابعة الباقين، نسأل اللَّه تعالى ونبتهل إليه سبحانه أن يبعث أقواماً ذوي عزائم راسخة يقومون بأعباء هذا الأمر ويهذّبون علوم الدين وينفون عنها هذه الزوائد، ويهدون طلّاب العلم إلى سواء السبيل، ولست أنسى أنّ بعض الاساتذة الكرام يرى أنّ التعرف على مثل هذه المسائل لا يخلو عن شبهة شرعية، ولعل ذلك بملاحظة ما نرى من أنّ الإسلام اليوم في أشدّ الحاجة إلى العلماء الذابّين عن حوزته بعلومهم النافعة، فصرف الوقت في غيرها يمنع عن هذه المهمّة» «١».
والملتفت للنظر أنّ بعض أصدقاء «٢» الاستاذ وأصحابه يؤيدون حالة الاستاذ هذه في اجتنابه الجلسات غير الهادفة التي لا تنفع شيئاً ويرون أنّ ذلك يعود إلى سنوات مبكرة من حياة الاستاذ ويقولون:
«لقد كان الاستاذ في أيّام التحصيل يمضي الوقت إمّا في التعلّم أو التعليم أو بالمطالعة أو الكتابة وكان يستفيد من وقته وعمره بأفضل صورة، فلا يشترك أبداً في مجالس اللهو والمزاح وأمثال ذلك، بل كان يتحرك بجدية في تحصيل العلم والاستفادة من طاقاته وأوقاته في سبيل خدمة العلم والدين وايصاله إلى الآخرين».