السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٨
والعاطفي من خلال التجارب الكثيرة التي مرّت عليه في حركة الحياة والواقع من صدود وتنكر أهل الدنيا له، التجارب التي أحسّ فيها بالانكسار والفشل حيث تكون مقدّمة لليقظة والبناء، التجارب التي عاش فيها الأوهام والطموحات: «كَسَرَابٍ بِقِيْعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً» «١»
، وغرور الدنيا: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» «٢»
، ومظاهر الدنيا البراقة: «كلّ شيءٍ من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ...» «٣»
التجربة التي يعيشها السالك بجميع وجوده وأعماق وجدانه في حياته أو حياة الآخرين تثمر فإنّ لازمها القهري والطبيعي الانقطاع عن جميع هذه الظواهر البراقة والموهومات الخداعة وقطع الأمل بجميع أنواع التعلقات الدنيوية والانشداد القلبي الخالص نحو الرفيق الأعلى وعالم البقاء «كلّ شيء هالك الّا وجهه».
بديهي أنّ العوامل المذكورة أعلاه «وبعض العوامل الاخرى» تثبت حقانية الحضور والشهود وابتهاج اليقين والمعرفة للسالك في خط الإيمان بصبغة اخرى وتمنحها قوة واعتباراً أكثر، واضفاء مزيد من التجليات لهذا التكامل المعنوي والصفاء الروحي واليقين القلبي.
إنّ أشكال التعب والكدح المضني الذي يتحمله المؤمن السالك في سبيل الدفاع عن الدين السماوي واحياء مذهب أهل البيت عليهم السلام يحتاج إلى ظرفية وجودية أوسع وانقطاع أكمل في واقع الإنسان الوجداني، وبالتالي زيادة في الوعي والحكمة واليقين بالحقانية التي تنعكس كلها بشكل عام على كلمات السالك وفي طيات قلمه (بحيث إنّ نثره يتضمن معالم الحرقة والعاطفة، وكذلك شعره يمتاز بالاشراقات المعرفية والفيوضات الحكمية وسيأتي توضيح ذلك لاحقاً) وهكذا تمتد كلماته ومواعظه إلى أعماق الروح وتنفذ نصائحه إلى القلب فتؤثر في النفس تأثيراً مضاعفاً، لأنّ المواعظ والنصائح الصادرة من السالك في هذه المرحلة من العمر إنّما تصدر من أعماق قلبه وتتميز بالصدق والصفاء والاخلاص، ولذلك