السيرة المباركة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧
وبالرغم من المثل المعروف وفي النظرة الظاهرية أنّ الشخص الذي يبدأ بعمل فعليه إتمامه، ولكن في نظرة اخرى سماوية وملكوتية ومورد قبول العقل والشرع أيضاً «من سنّ سنة حسنة ...» فلابدّ من القول إنّ الشخص الذي يفعل الفعل هو الذي بدأ به.
لأنّ تصوير اطروحة كلية وجامعة لفعل من الأفعال يمثل أصعب مرحلة وأهم نقطة في ذلك المشروع، لأنّ التخطيط والتدبير لفعل معين في بداية الأمر يفضي إلى تجلي هذه الخطة والفكرة في ما بعد على مستوى نتائج العمل، والكثير من المشاريع والاطروحات الفكرية المهمّة المعقدة تكون صعوبتها بالذات مانعة من الإقدام على ترجمتها وتجسيدها في الواقع العملي لأغلب الأطراف، ولذلك نرى أنّ الكثير من الأعمال بقيت ناقصة لهذا السبب، أو لم يجد صاحبها الجرأة على الشروع بها على مستوى العمل، إنّ الشروع في عمل معين مضافاً إلى حاجته للفكر والتدبير والخلاقية والتخطيط لصياغة رؤية شاملة عنه، يحتاج أيضاً إلى إرادة قوية وعزم نافذ واعتماد على النفس والتوكل على الذات المقدّسة.
والواقع أنّ هذه الرؤية الدقيقة تنقل الإنسان من أجواء الضعف والمادة وأنّه مجرّد بدن متكّون من لحم وعظم ويتعرض إلى أنواع الأمراض وأشكال الوهن والضرر إلى موجود يوازي بقدرته الجبال ويعادل شخص واحد مائة ألف شخص، فاذا كان يشتغل في دائرة التأليف والتحقيق فإنّه ينتج من الكتب والمؤلّفات بحيث إنّ الآخرين لا يجدون فرصة لعد صفحات هذه الكتب والتصانيف، وإذا كان ينطلق في عمله في إطار تقديم خدمات علمية وثقافية وفنيّة للناس، فإنّه سيمتلك السعي الجاد والاستقامة في العمل والصبر أمام تحديات الظروف الصعبة بحيث إنّ الآخرين لا يمكنهم تصور ذلك في مخيلتهم وسيندهشون لدى ملاحظة دقائق أعماله ودراسة تفاصيل نشاطاته.
إنّ مثل هؤلاء الأشخاص المجاهدين متصلون بالبحر ويستندون على الجبل فلا يشعرون بأنّ الطريق موصدة أمامهم ولا يحسون نقصاً في هممهم وقابلياتهم، وأساساً فإنّه لا يوجد في قاموسهم عبارات «لا نملك الميزانية اللازمة لهذا العمل» و «لعل هذا العمل لا يصل