الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٢ - هل من سبيل للرجعة؟
وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ [١].
فالقلق و الخوف الشديد يسيطران على وجودهم، و الذلة و الاستسلام يطغيان عليهم، و انتهى كلّ شيء من التكبير و محاربة و ظلم و إيذاء المظلومين، و ينظرون من طرف خفي إلى النّار.
هذه صورة لحالة شخص يخشى من شيء أشد خشية و لا يريد أن ينظر إليه بعينين مفتوحتين، و في نفس الوقت لا يستطيع أن يتغافل عنه، لذا فهو مجبور على النظر إليه، لكن بطرف خفي.
بعض المفسّرين قالوا: إنّ جملة (طرف خفي) تعني هنا النظر بعين نصف مفتوحة، لأنّهم لا يستطيعون فتح العين كاملة من شدة الخوف و الهول العظيم، أو أنّهم من شدة الانهيار و الإعياء لا يستطيعون فتح العين بشكل كامل.
فعند ما تكون حالة الإنسان هكذا قبل أن يدخل النّار ... فما ذا سيجري عليه عند ما يطؤها و يهوي في أعماقها؟! أمّا آخر عقاب ذكر هنا، فهو سماع اللوم و التوبيخ الأليم من المؤمنين، كما جاء في آخر الآية: وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
فهل هناك خسارة أعظم من أن يخسر الإنسان نفسه، ثمّ زوجه، و أبناءه و أقرباءه؟ و نصيبه نار الفراق و هو في داخل العذاب الإلهي؟! ثم تضيف: يا أهل المحشر: أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ.
إنّه العذاب الذي ليس هناك أمل بانتهائه، و لا يتحدد بزمان معين. إنّه العذاب الذي يحرق أعماق الروح و ظاهر الجسد على السواء.
و ليس من لمستبعد أن يكون القائل لهذا الكلام هم المؤمنون الحقيقيون، و هم
[١]- «طرف» «بتسكين الراء» مصدر و تعني دوران العين، و طرفة العين تعني حركة واحدة للعين، و الضمير في (عليها) يعود إلى العذاب، صحيح أن العذاب مذكر لكنّه يعني هنا النّار و جهنم و ضمير المؤنث يعود إليها.