الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - أولئك الذين يصدقون كلام اللّه
و كما هو معلوم فإنّ المكافاة الإلهية في الآخرة و حتى التفضيل الإلهي للبعض دون البعض الآخر إنّما يتمّ على أساس اللياقة التي حصل عليها الإنسان في هذه الدنيا، فالذي يعرف أنّ إيمانه و عمله في هذه الدنيا لم يصل إلى درجة إيمان و عمل الآخرين لا يأمل يوما ما أن يكون بمرتبتهم، لإنّ ذلك أمل و رجاء غير منطقي.
و عبارة: عِنْدَ رَبِّهِمْ تبيّن عدم انقطاع اللطف الإلهي عن أولئك و كأنّهم ضيوف اللّه على الدوام، و كلّ ما يطلبونه يوفر لهم.
و عبارة: ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ أقيم فيها الظاهر مقام ضمير الإشارة، اشارة الى أن إحسانهم و عملهم الصالح كانا سببا في حصولهم على الأجر المذكور.
أمّا المكافأتان الثانية و الثّالثة اللتان يمنحهما البارئ عزّ و جلّ للمصدقين، فيقول القرآن المجيد بشأنهما: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ [١].
كم هي عبارة جميلة و لطيفة! فمن جانب يدعون اللّه سبحانه و تعالى ليكفّر عنهم أسوأ ما عملوا بظلّ لطفه، و يطهرهم من تلك البقع السوداء بماء التوبة، و من جهة اخرى يدعون اللّه ليجعل أفضل و أحسن أعمالهم معيارا للمكافأة، و أن يجعل بقية أعمالهم ضمن ذلك العمل.
إنّ ما يتّضح من الآيات الكريمة هو أنّ اللّه استجاب لدعواهم، عند ما غفر لهم و عفا عن أسوأ أعمالهم، و جعل أفضل الأعمال معيارا للمكافأة.
من البديهي، عند ما يشمل العفو الإلهي الزلّات الكبيرة، فإنّ الزلات الصغيرة أولى بالشمول، لأنّ الزلات الكبيرة هي التي تقلق الإنسان أكثر من أيّ شيء آخر،
[١]- في عودة قوله تعالى: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ ذكر المفسّرون آراء شتى بهذا الشأن و لكن التّفسير الذي يبدو أنسب هو أنّها تعود على الفعل (أحسنوا) و يفهم ذلك من كلمة المحسنين، و التقدير (ذلك جزاء المحسنين أحسنوا ليكفر اللّه عنهم) نعم إنّهم عمدوا إلى عمل الإحسان كي يكفر اللّه عهم سيئاتهم و يغفر زلاتهم و يعطيهم أفضل الثواب.