الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤ - الأمر الإلهي الحاسم
و استعراضهم لقوّتهم: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ.
إنّها أيّام تنقضي بين الكرّ و الفرّ، ثمّ تنتهي هذه الضجة لتزول معها هذه المجموعة و تمحى تماما، كما تزول الفقاعات من على سطح الماء، أو كما يتلاشى الرماد عند هبوب العواصف! «يجادل» مشتقّة من «جدل» و هي في الأصل تعني لف الحبل و إحكامه، ثمّ عمّ استخدامها في الأبنية و الحديد و ما شابه، و لهذا فإنّ كلمة (مجادلة) تطلق على عمل الأشخاص المتقابلين و يريد كلّ شخص أن يلقي حجته و يثبت كلامه و يغلب خصمه.
و لكن ينبغي الانتباه إلى أنّ كلمة (المجادلة) لا تعتبر مذمومة دائما في اللغة العربية، بل تعتبر إيجابية و مطلوبة إذا كانت المجادلة في طريق الحق و تستند على المنطق، و تهدف إلى تبيين الحقائق و إرشاد الأشخاص الجهلة ... أمّا إذا كانت على أسس واهية من التعصب و الجهل و الغرور، و تستهدف خداع هذا و ذاك، فتكون عند ذلك مذمومة.
القرآن الكريم استخدم كلمة (المجادلة) في كلا مورديها، إذ نقرأ في الآية (١٢٥) من سورة النحل قوله تعالى: وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
إلّا أنّه في موارد اخرى- كما في الآية أعلاه و فيما بعدها- وردت (المجادلة) لغرض الذم، و هناك بحث حول الجدال و المجادلة سنتعرض له فيما بعد إن شاء اللّه.
«تقلب» مشتقّة من «قلب» و تعني التغيير، و «تقلّب» هنا بمعنى التصرّف في المناطق و البلاد، المختلفة للسيطرة و التسلّط عليها، و تعني الذهاب و الإياب فيها أيضا.
إنّ هدف الآية تحذير للرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و المؤمنين به- في بداية البعثة- من الذين كانوا من الطبقة المستضعفة المحرومة، بأن لا يركنوا إلى الإمكانات المالية