الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٤٨ - باب في شأن
واستلزام هذا تنزّل الملائكة والروح في كلّ سنة؛ إن قالوا: لا يرسل اللَّه إلّاإلى نبيّ، كان هذا إنكار النتيجة بعد ثبوت مباديها، فليس صالحاً للالتفات إلى جوابه، ولهذا أعرض الإمام ٧ عنه وجاء من جانب آخر. وأضرب عن الأوّل فقال: إنّ صريح الآية أنّ الملائكة تنزل في ليلة القدر بما يفرق فيها من الأحكام، فهذا التنزّل أمِن سماء إلى سماء، أم من سماء إلى أرض؟ لا مجال للأوّل؛ إذ ليس في السماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية حتّى تتنزّل الملائكة بما فرق في ليلة القدر من حكمه، فتعيّن الثاني، وإذ لم يقرّوا بتعدّد النزول حسب تجدّد السنة، وقالوا إنّما نزلت الملائكة والروح بتفاصيل أحكام العباد إلى الرسول فحسب، ومنه وصل إلينا، فيُقال لهم: لا تستطيعون أن تجحدوا أنّ كثير ما وصل إليكم منه ٦ بحيث يقبل التشاجر والتنازع، فهل بدّ من سيّدٍ تتحاكمون إليه؟ إلى آخره.
أقول: في قوله: «ليس أحد في السماء يرجع من طاعة إلى معصية». نصّ علم أنّ العلم الذي فيه الكلام علم الحلال والحرام والقضايا والأحكام.
قوله: (فقل: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا») [١]. [ح ١/ ٦٤٥]
الغرض من إيراد هذه الآية أنّ اللَّه تعالى يخرج من كان في علمه من أهل الإيمان من ظلمات الغواية إلى نور الهداية وهو وليّهم، ومن كان في علمه كافراً يتبع الطاغوت فيقع في ظلمات الغواية والطواغيت أولياء أمثاله، وفي غريزة العقول الصحيحة أنّ من كان اللَّه وليّه وهداه الصراط المستقيم لا يحكم فيما لم يعلم، ولا يخطي فيما يحكم، ومن كان الطاغوت وليّه وأدخله في بيداء الضلال لا يبالي بالحكم فيما لم يعلم إذا رآه على وفق هواه، فهل الخليفة الذي قلتم إنّه حَكَمُكم ممّن يجوز عليه الخطأ في الحكم، أم لا؟
فإن كان الأوّل، فهو محتاج إلى تسديد مَن لا يجوز عليه الخطأ، فالحَكَم الحقّ والوالي المطلق هو ذاك، لا هذا. وإن كان الثاني، فهو من التائهين الحائرين الذين
[١]. البقرة (٢): ٢٥٧.