الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٢ - شرح خطبة الكافي
سماع زيد، بل ذاتٌ مّا تكون صفته أن لا يُشترك في ماهيّته، فإن عمّم العَلَم بحيث يتناول هذا أيضاً، فذاك اصطلاح جديد، ولا مشاحَّةَ في الاصطلاح.
قلت: إن اريد بالذات الشخصيّة الذاتُ المأخوذ معها مشخّصُها- الذي لها في نفس الأمر وبه هي متعيّنة ولو كان عين الذات- فمسلّم أنّها لاتخطر بالبال على ذلك الفرض، لكن لا نسلّم وجوب أخذ ذلك المتشخّص في العَلَم، بل الذي يجب- كما يُكشف عند الفحص عن حال الأعلام- أن يتوهّم الواضع ما يريد أن يضع له لفظاً على وجه جزئي ممتاز عنده عمّا عداه؛ إمّا من جهة مشاهدة شخصه، أو من جهة اعتبار أوصاف له حقيقيّةٍ وإضافيّةٍ انحصرت فيه ولو كان باعتقاده، مثلًا تواتَرَ عندنا أنّ ملك الهند في هذا العصر المدعوّ «أورنك زيب» وهو ابن الملك المشهور بحزم، فبذلك حصل في وهمنا شخص ممتاز عمّا عداه، ومعلوم أنّ له في نفس الأمر مشخّصاً به صار شخصاً في حدّ ذاته، ونحن لا نعرفه، فلو وضعنا له لفظاً وأخبرنا أصحابنا أنّ الموضوع له ما هو صاحب الوصف المذكور، ينتقل ذهنهم إليه بخصوصه عند إطلاقنا اللفظ بلا ريب، وهذه هي خاصّيّة العَلَم، وكذا إذا خرجت من دارك ظهر يوم الجمعة وكانت امرأتك في وجع الطَّلْق، فأتاك ابنك محمّد بعد ساعة، وأخبرك أنّ امّي ولدت ذكراً في هذه الساعة مشقوق الشفة العليا، فسمّيته مشقوقاً بحضرة جمع من أقربائك، وحالَ القضاء بينك وبين رؤيته بعروض سفر بعيد، فإذا كتبت إليهم أنّ الضيعة التي لي في قرية كذا وهبتها لابني محمّد ومشقوق، فهل يفرّقون بين الاسمين؟ وهل يقولون إنّ أحدهما عَلَم، والآخر غير علم؟ وهل هذا إلّاباعتبار تشخّص المشقوق عندك حين التسمية من جهة الوصف، مع أنّك لم ترَ شخصه الذي به كان متعيّناً في حدّ ذاته.
فظهر أنّ التشخّص المعتبر في العَلَم التشخّص في نظر الواضع، بمعنى كون المسمّى حين الوضع بحيث يكون ممتازاً عن جميع ما عداه، إمّا بمشاهدة ذاته، أو العلم بأوصافه الحقيقيّة والإضافيّة التي بزعمه أنّها منحصرة فيه، وبقيام البرهان على وجود مفهوم ذي صفة جعلته متميّزاً عن سائر الموجودات، ككونه مبدء كلّ شيء، وهذا هو المعنيُ