الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٠ - شرح خطبة الكافي
ويُحتمل أن يُراد بالحمد ما يُحمد به، وهي الأسماء الحسنى. وكيف كان ينبغي أن يعمّم مورد الحمد بأن يكون باللِّسان المقالي أو الحالي ليشمل حمدَ كافّة الأشياء، كما عمّم في قوله عزَّ من قائل: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» [١]، فالمعنى أنّ فعل الحمد من كلّ أحد- أي عدّ المحاسن الذاتيّة والفعليّة العائدة عائدتها إلى الحامد، وغير الحامد، أو ما يُحمد به كلّها من حيث الاستحقاق الذاتي- مختصٌّ باللَّه، على أنّ اللام للاختصاص، ولا ريب فيه؛ لأنّ المحاسن الذاتيّة من الحُسن والبهاء والعظمة والكبرياء، والفعليّة من الجود والإعطاء والإفضال بصنوف الآلاء والنعماء على الحقيقة وأوّلًا وبالذات له تعالى، وما لغيره فإنّما هو ظلال وعكوس وعلى سبيل المجاز؛ كما يكشف عن ذلك الحصر الذي في كلام المعصومين العارفين باللَّه الهادين إليه (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)، حيث قالوا في تحميداتهم وتمجيداتهم: «لك الأسماء الحسنى والكبرياء والآلاء» [٢].
هذا هو الكلام في المحمود به، وسيجيء الكلام في المحمود عليه.
وأمّا الجلالة، فقد اختُلف فيها؛ فقيل: إنّها عَلَم. وقيل: بل مشتقّة. وقد بُسط الكلام من الطرفين في حواشي السيِّد الشريف والتفتازاني على الكشّاف [٣].
وقال البيضاوي:
الحقّ أنّه وصف في أصله، لكنّه غلب عليه تعالى بحيث لا يستعمل في غيره، فصار كالعَلَم، مثل الثريّا والصعق، أجرى مجراه في إجراء الأوصاف عليه وامتناع الوصف به، وعدم تطرّق احتمال الشركة إليه؛ لأنّ ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخَرَ- حقيقي أو غير حقيقي- غيرُ معقول للبشر، فلا يمكن أن يُدلّ عليه بلفظ [٤]. إلى آخر ما قال.
[١]. الإسراء (١٧): ٤٤.
[٢]. الكافي، ج ٤، ص ١٦٠، باب الدعاء في العشر الأواخر من شهر رمضان، ح ٢؛ الفقيه، ج ٢، ص ١٦١، ح ٢٠٣٢؛ تهذيب الأحكام، ج ٣، ص ٠١، ح ٢٦٣؛ مصباح المتهجّد، ص ٦١٤، ٦٢٨ و ...؛ جمال الأسبوع، ص ٧٩؛ المصباح للكفعمي، ص ٦٣٦؛ البلد الأمين، ص ٢٢٥.
[٣]. الحاشية على الكشّاف للسيّد الشريف، ص ٣٥- ٤٠.
[٤]. أنوار التنزيل، ج ١، ص ٣٤ و ٣٥.