الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٠٢ - باب جوامع التوحيد
الأزمنة والدهور من إقبال ليلٍ مقبل، وإدبار نهارٍ مدبر قبل كلّ غاية ومُدّة، وكلّ إحصاءٍ وعِدّة، تعالى عمّا يَنْحَلُه المحدّدون من صفات الأقدار، ونهايات الأقطار، وتأثّل المساكن، وتمكّن الأماكن، فَالْحَدُّ لخلقه مضروبٌ، وإلى غيره منسوبٌ، لم يخلق الأشياء من اصول أزليّة، ولا من أوائل أبديّة، بل خَلَقَ ما خَلَقَ فأقام حَدَّه، وصَوَّرَ ما صَوَّرَ فأحسن صورتَه، ليس بشيء منه امتناع، ولا له بطاعة شيء انتفاع، عِلْمُه بالأموات الماضين كعِلْمِه بالأحياء الباقين، وعِلْمُه بما في السماوات العُلى كعلمه بما في الأرضين السفلى». [١]
وفي خطبة اخرى من خطب نهج البلاغة: «أوّل الدِّين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة [٢] كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وَصَفَ اللَّه سبحانه فقد قَرَنَه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومَنْ ثنّاه فقد جَزَّأَه، ومن جزّأه فقد جهله، [ومن جهله فقد أشار إليه]، ومن أشار إليه فقد حَدَّه، ومن حدّه فقد عَدَّه، ومن قال «فيمَ» فقد ضَمَّنَه، ومن قال «علامَ» فقد أخلى منه، كائنٌ لا عن حَدَثٍ، موجودٌ لا عن عَدَمٌ، مع كلّ شيءٍ لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعلٌ لا بمعنى الحركات والآلة، بصيرٌ إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحّدٌ إذ لا سَكَنَ يستأنس به، ولا يستوحش من فَقْده». [٣]
وفي خطبة اخرى: «سَبَقَ في العلوّ فلا شيء أعلى منه، وقَرُبَ في الدنوّ فلا شيء أقرب منه، فلا استعلاؤُه باعَدَه عن شيء من خَلْقه، ولا قُرْبُه ساواهم في المكان به، لم يُطْلِعِ العقولَ على تحديد صفته، ولم يَحْجُبْها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود، على إقرار قلب ذي الجحود، تعالى [اللَّه] عمّا يقوله المشبّهون به، والجاحدون له علوّاً كبيراً». [٤]
[١]. نهج البلاغة، ص ٢٣٢- ٢٣٣، الخطبة ١٦٣.
[٢]. في المصدر: «لشهادة».
[٣]. نهج البلاغة، ص ٣٩، الخطبة ١. و فيه: «لفقده» بدل «من فقده».
[٤]. نهج البلاغة، ص ٨٧، الخطبة ٤٩.