الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٦٣ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
موفون شرائطَ الفعل كانت هذه فِعالَهم، ولو ردّوا إلى الدنيا بعدما رأوا العذاب لعادوا لما نهوا عنه، [١] كما قلنا في مثال المتحرّك بالحركة الطبيعيّة: والأمر والنهي العقليّان والشرعيّان ليسا بالنسبة إليهم إلّاليقطع عليهم قولهم: «لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ» [٢] وبالنسبة إلى الطينات الطيّبات تربيةٌ لهم، وإيصال إلى مَراقي الكمالات، كما يربّي الوالد الشفيق ابنه بالأوامر والنواهي.
وحسبك شاهداً في هذا الباب قوله عزَّ من قائل: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» [٣]، وقوله: «وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ» [٤]، وقوله: «وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها» إلى قوله: «أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ» [٥].
وفي حكاية بيضات الطير المسمّاة بالقدم- التي نقلها الصدوق طاب ثراه في أواخر كتاب إكمال الدِّين في جملة حكاية «بلوهر» الحكيم- عبرةٌ لُاولي الألباب. [٦]
وفي قنوت الوتر للإمام زين العابدين ٧: «سيّدي أَمِن أهل الشقاء خلقتني فاطيل بكائي، أم من أهل السعادة خلقتني فابشّر رجائي، ألِضَرب المقامع خلقت أعضائي، أم لشُرب الحميم خلقت أمعائي». [٧]
يعني أنا من الممكنات المعلومة في العلم الأزلي في مرتبة «ما» الشارحة أنّ إرادتها الذاتيّة إلى موجبات الشقاء، فخلقتني ويسّرت لي أسباب فعل ما في إرادتي التي علمتها من ذاتي في مرتبة «ما» الشارحة، فأكون مظهر اسمك القهّار شديدِ البطش، أم من الممكنات المقابلة لتلك، فمننت عليَّ بتشريف الإيجاد، وتتمّ تلك المنّة بتيسير أسباب الرشاد وتربيتي لتجعلني أهلًا لتفضّلاتك الجسيمة؛ فإنّي أعلم أنّ ما يصيبني من حسنةٍ فمنك، ولك المِنّةُ عليَّ، وما يُصيبني من سيّئةٍ فمن نفسي، ولك الحجّة عليّ، هكذا ينبغي أن يفهم كلامه (صلوات اللَّه عليه وسلامه).
[١]. إشارة إلى الآية ٢٨ من سورة الأنعام (٦).
[٢]. طه (٢٠): ١٣٤.
[٣]. الذاريات (٥١): ٥٥.
[٤]. الأنفال (٨): ٢٣.
[٥]. الأعراف (٧): ١٧٩.
[٦]. كمال الدين، ج ٢، ص ٥٨٩.
[٧]. الأمالي للصدوق، ص ٢١٩، المجلس ٣٩، ح ٥؛ روضة الواعظين، ج ١، ص ١٩٨؛ المصباح للكفعمي، ص ٣٦٨.