الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٥١ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
فكِّر الآنَ في تنقّل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة، وما في ذلك من التدبير؛ فهو الدور الذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة: الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف، وتستوفيها على التمام، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلّات والثمار وتنتهي إلى غاياتهم، ثمّ تعود فتستأنف النشوء والنموّ؛ ألا ترى أنّ السنة مقدار مسير الشمس من الحَمَل إلى الحَمَل؛ فبالسنة وأحوالها يكال الزمان من لدن خلق اللَّه تعالى العالم إلى كلّ وقت وعصر في غابر الأيّام، وبها يحسب الناس الأعمار والأوقات الموقّتة للديون والإجارات والمعاملات وغير ذلك من امورهم، وبمسير الشمس تكمل السنة، ويقوم حساب الزمان على الصحّة؛ انظر إلى شروقها على العالم كيف دبّر أن يكون، فإنّها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقفَ لا تعدوه، لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات؛ لأنّ الجبال والجُدْران كانت تحجبها [عنها] فجعلت تطلع من أوّل النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب، ثمّ لا تزال تدور تغشى جهةً بعد جهة حتّى تنتهي إلى المغرب، فتشرق على ما استتر عنها في أوّل النهار، فلا يبقى موضع من المواضع إلّاأخذ بقسطه من المنفعة منها والإرب التي قدّرت له، ولو تخلّفت مقدارَ عامٍ أو بعض عامٍ كيف كان يكون حالهم؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء؟
أفلا ترى كيف كفى الناس هذه الامور الجليلة التي لم يكن عندهم فيها حيلة، فصارت تجري على مجاريها لا تعتلّ [١]، ولا تتخلّف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه.
استدلّ بالقمر، ففيه دلالة جليلة يستعملها العامّة في معرفة الشهور، ولا يقوم عليه حساب السنة؛ لأنّ دوره لايستوفي الأزمنة الأربعة ونشوء الثمار وتصرّمها، ولذلك صارت شهور القمر وسِنوه تتخلّف عن شهور الشمس وسنيها، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل، فيكون مرّة بالشتاء ومرّة بالصيف.
فكِّر في إنارته في ظلمة الليل والإرب في ذلك؛ فإنّه- مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء
[١]. في المصدر: «لاتفتل».