الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٥٠ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
ولنذكر طرفاً ممّا ذكره مولانا الصادق ٧ في توحيد المفضّل ممّا يتعلّق بهذا المطلب، قال ٧:
«فكِّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار والليل، فلولا طلوعهما لبَطَلَ أمر العالم كلّه، فلم يكن الناس يسعون في معائشهم ويتصرّفون في امورهم، والدُّنيا مظلمة عليهم، ولم يكونوا يتهنّئون بالعيش مع فقدهم لذّة النور ورَوْحَه، والإرب في طلوعها ظاهر مستغنى بظهوره عن الإطناب في ذكره والزيادة في شرحه، بل تأمَّلِ المنفعةَ في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عِظَم حاجتهم إلى الهدوء والراحة؛ لسكون أبدانهم، وجموم حواسّهم، وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، ثمّ كان الحرص يستحملهم في مداومة العمل ومطاولتهم على ما يعظم نكايته في أبدانهم؛ فإنّ كثيراً من الناس لولا جثوم هذا الليل بظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار حرصاً على الجمع والكسب والادّخار، ثمّ كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها، وتحمي كلّ ما عليها من حيوان ونبات، فقدّرها اللَّه بحكمته وتدبيره؛ تطلع وقتاً، وتغرب وقتاً بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارةً ليقضوا حوائجهم، ثمّ يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقرّوا، فصار النور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه.
ثمّ فكِّر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة، وما في ذلك من التدبير والمصلحة؛ ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات، فيتولّد فيها موادّ الثمار، ويستكثف الهواء، فينشأ منه السحاب والمطر، وتشتدّ أبدان الحيوان وتقوى، وفي الربيع تتحرّك وتظهر الموادّ المتولّدة في الشتاء، فيطلع النبات، وتنوّر الأشجار، ويهيج الحيوان للسفاد، وفي الصيف يحتدم الهواء، فينضج الثمار، ويتحلّل فضول الأبدان، ويجفّ وجه الأرض، فيتهيّأ للبناء والأعمال.
وفي الخريف يصفو الهواء، وترتفع الأمراض، وتصحّ الأبدان، ويمتدّ الليل، فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله، ويطيب الهواء، وفيه مصالحُ اخرى لو تقصّيت لذكرها لطال فيها الكلام.