الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٣٤ - كتاب العقل و الجهل
به أنّه كان من المجسّمة وأنّ مراده بالحمار المركب؟ على أنّه قال: «ليس لربّنا حمار».
وظاهر أنّ هذه الأخبار على وجه التحسّر والتلطّف، وهذا يؤذن بأنّه كان مع اعتقاد التجسّم معتقداً لعجزه تعالى عن إيجاد حمار لنفسه على ذلك التقدير.
فإن قلت: لعلّ تحسّره على عدم مشيّته تعالى لخلق حمار لنفسه، وكان يرجو إن خلقه يركبه يوماً فينزل على الأرض، ويمرّ بتلك الجزيرة، فيحصل له انتفاع به، وهو رعي الحشيش، ورفع سماجة المنظر عن مكانه.
قلت: فما يمنعك أن تحمل قوله: «ليس لربّنا حمار» على عدم كون حمارٍ في تلك الجزيرة له تعالى، واللامَ على نحو ما في آية الكرسيّ «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ» [١] مع الاعتقاد بكمال قدرته والتحسّر على عدم المشيئة، وتستريح عن ارتكاب تلك التُرَّهات. [٢]
وعلى هذا فالذي استدلّ به الملك على ضعف عقل العابد المقتضي لقلّة أجره تَحَسُّرُه على عدم مشيئة اللَّه لخلق الحمار في ذلك المكان، الدالّ على عدم رضائه بما شاء اللَّه ودبّره وقضاه وقدّره.
والسلامة من هذا الضعف للأنبياء والأوصياء بالفطرة، ولسائر الناس بارتياض العقل بالعلوم الحقيقيّة ومدارسة أحاديث المعصومين : الواردة في المعارف الإلهيّة.
ولهذا عرض عريض؛ والداخلون في هذا العرض هم أصحاب اليمين، وكلّهم مأجورون على عباداتهم، ولكن بحسب القرب والبُعد إلى المنتهى، وهو استكمال جنود العقل وتسخير جنود الجهل، والخارجون عنه هم أصحاب الشمال، وفي كلا الفريقين مستضعفون؛ واللَّه أعلم بما هو فاعل بهم.
ووجود الأجر في اللوح دلّ على أنّ العابد كان من أصحاب اليمين، ولم يكن من
[١]. البقرة (٢): ٢٥٥.
[٢]. الترّهات: البواطل من الامور. لسان العرب، ج ١٣، ص ٤٨٠ (تره).