الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٩٧ - وتنقيح المقام يقتضي بسطاً في الكلام
قلت: جُعلت فداك، أرأيتَ إن كانَ الفقيهان عَرَفا حكمَه من الكتاب والسنّة، ووجدنا أحدَ الخبرين موافقاً للعامّة، والآخَرَ مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يُؤخذ؟
قال: «ما خالف العامّةَ ففيه الرَّشاد».
قلت: جُعلت فداك، فإن وافَقَهُما الخبران جميعاً؟
قال: «يُنْظَرُ إلى ما هم إليه أمْيَلُ حكّامُهم وقضاتُهم فيُترك، ويؤخذ بالآخَر».
قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً؟
قال: «إذا كان ذلك، فأرْجِهْ حتّى تَلقى إمامَك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات». [١]
أقول: قوله: «في دين أو ميراث» مورد السؤال وإن كان خاصّاً إلّاأنّ علّة المنع- وهو الكفر بالطاغوت- يقتضي حرمة الرجوع إليهم في مطلق الأحكام الدينيّة، وليس هذا من القياس المحرّم؛ لأنّ العلّة هناك مستنبطة، وهاهنا مصرّحة.
وقوله ٧: «ممّن روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا» يدلّ على أنّ المستحقّ لأن يُرجع إليه مَن كان بهذه الصفات، دون أن يقرأ متن الشرائع مثلًا، ولم يقابل كتب الأحاديث الأربعة أو قابلها، واكتفى بما سمعه من الاستاذ في بيان المراد من غير أن يتدبّر هو في كلّ حديث بعد أن يكون قد علم كيفيّة التدبّر، وعلم حصول التمكّن منه، كما هو مقتضى قوله ٧: «ونظر في» إلى آخره.
وكيفيّة التدبّر وإن كانت غير منضبطة ولكلٍّ وجهة هو مولّيها [٢]، إلّاأنّه يحصل بتتبّع الكتب الاستدلاليّة، والاطّلاع على ما قاله الاصوليّون اطّلاعاً إجماليّاً، دون صرف الأوقات في تدقيقاتهم وتطويلاتهم، حالةٌ يعلم بها ما ينبغي أن يفعل إن كان مجتنباً للجاه الباطل وحبّ القيل والقال بلا طائل.
وكفى تخويفاً في هذا الباب قول أمير المؤمنين ٧ في نهج البلاغة في صفة من تصدّى للحكومة بين الناس، وليس لذلك أهلًا: «إنّ أبغضَ الخلائق إلى اللَّه تعالى
[١]. الكافي، ج ١، ص ٦٧، ح ١٠.
[٢]. اقتباس من الآية ١٤٨ من سورة البقرة.