الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٩٦ - وتنقيح المقام يقتضي بسطاً في الكلام
بحُكْم الطاغوت، وقد أمَرَ اللَّه أن يُكفَرَ به، قال اللَّه تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» [١].
قلت: فكيف يصنعان؟
قال: «يَنْظُران مَن كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونَظَرَ في حلالنا وحرامنا، وعَرَفَ أحكامَنا، فَليَرضَوا به حَكَماً؛ فإنّي قد جَعَلْتُه عليكم حاكماً، فإذا حَكَمَ بحُكْمنا- وفي بعض النسخ: فإذا حكَم بحُكْم- فلم يَقْبَلْه منه، فإنّما استخفَّ بحُكْم اللَّه، وعلينا رَدَّ، والرادُّ علينا كالرادّ على اللَّه، وهو على حدّ الشرك باللَّه».
قلت: فإن كان كلّ رجل اختارَ رجلًا من أصحابنا، فَرَضِيا أن يكونا الناظِرَيْن في حقّهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلف في حديثكم؟
قال: «الحُكْم ما حَكَمَ به أعدَلُهما وأفقَهُهما وأصدَقُهما في الحديث وأورَعُهما، ولا يلتفِتْ إلى ما يحكم به الآخر».
قال: قلت: فإنّهما عَدْلانِ مَرضيّانِ عند أصحابنا، لا يُفَضَّلُ واحدٌ منهما على صاحبه؟
قال: فقال: «يُنْظَرُ إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حَكَما به المُجْمَعُ عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حُكمنا، ويُتْرَكُ الشاذُّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإنّ المُجْمَعُ عليه لا ريب فيه، وإنّما الامور ثلاثة: أمرٌ بيِّنٌ رُشْدُه فَيُتَّبَعُ، وأمرٌ بيّنٌ غَيُّه فيُجْتَنَبُ، وأمرٌ [مشكلٌ] يُرَدُّ علمُه إلى اللَّه وإلى رسوله ٦؛ قال رسول اللَّه ٦: حلالٌ بيِّنٌ، وحرام بيِّنٌ، وشبهاتٌ بين ذلك، فمن تَرَكَ الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم».
قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟
قال: «يُنْظَرُ، فما وافَقَ حكمُه حكمَ الكتاب والسنّة وخالَفَ العامّةَ فيُؤخَذُ به، ويُترك ما خالَفَ حكمُه حكمَ الكتاب والسنّة ووافَقَ العامّة».
[١]. النساء (٤): ٦٠.