الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣١٤ - باب إطلاق القول بأنّه شيء
غاية ما يمكن للمخلوق أن يرزق فهمه من صفات كمال الخالق المتعالي تقدّست أسماؤه وجلّت كبرياؤه، وهذا الذي [أشار] إليه قدوة العارفين وإمام المهتدين أمير المؤمنين- (صلوات اللَّه عليه)- في الحديث الآتي حين سُئل: بِمَ عرفتَ ربَّك؟ قال: «بما عرّفني نَفْسَه» قيل: وكيف عرّفك نفسَه؟ قال: «لا يُشِبهُه صورةٌ» إلى آخر ما قال. [١]
وأمّا قوله ٧: (والرَّسولَ بِالرِّسالَةِ) إلى آخره [ح ١/ ٢٢٩]، فوجه تغيير الاسلوب في الفقرتين حيث لم يقل: «والرّسول بالرسول واولي الأمر بأُولي الأمر» أنّ من فهم معنى الرسالة وخواصّها ولوازمها عرف من اتّصف بها ومن تكلّفها، وكذا معنى ولاية الأمر؛ وذلك لأنّ معنى الرسالة أن يدّعي بشرٌ أنّه جاء من عند اللَّه إلى العباد ليتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويُعلّمهم الكتاب والحكمة.
وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين ٧: «فبعث إليهم [٢] رُسُلَه، وواتَرَ إليهم أنبياءَه لِيَستَأْدوهم ميثاقَ فطرتِه، ويُذَكِّروهم مَنسِيَّ نعمته، ويَحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقولِ، ويُروهم آيات القدرة» [٣] الحديث. [٤]
فيجب في الحكمة أن يكون المدّعي بحالٍ لا يستطيع المبلَّغ إليه جحده وتكذيبه؛ إمّا من جهة نصّ السابق الثابت حجّيّته، وإمّا من جهة المعجزات الباهرة، وإمّا من جهة الأمارات والقرائن المفيدة باجتماعها العلمَ بصدق المدّعي للرسالة، كالتحلّي بصفات الكمال ومحامد الخصال، مثل الأمانة وملازمة الصدق، وبسط العدل، وكظم الغيظ، وإيصال الخير إلى كافّة الخلق حسب ما اقتضاه العقل، والشفقة عليهم والنصح لهم، ورفض فضول الدنيا، والإيثار على نفسه، وحبّ الفقراء الأبرار، وبغض المتكبِّرين الأشرار، وترفّع النفس عن خسائس الامور ورذائلها، كلّ ذلك مع عقلٍ متين، وذهنٍ وقّاد، وقوّة تصرّف وتمييز فيما يعرض للناس من معضلات الامور ومُبهماتها كي لا
[١]. الكافي، ج ١، ص ٨٥، باب أنّه لايعرف إلّا به، ح ٢.
[٢]. في المصدر: «فيهم».
[٣]. في المصدر: «المقدرة».
[٤]. نهج البلاغة، ص ٤٣، الخطبة ١.