الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣١٥ - باب إطلاق القول بأنّه شيء
يُرمى إلى خفّة العقل ومهانة النفس، فإذا وجد أمثال هذه القرائن في مدّعي الرِّسالة ولا مانع من جهةٍ فلا مجال لتكذيبه؛ إذ النفوس السالمة عن الحسد وعداوة الحقّ ومضادّة أهله، وعن الحبّ المفرط لتقليد الآباء والأسلاف، مضطرّةٌ بمحبّة مَن تجده بهذه الحِلْية، وبالإذعان له، والتصديق فيما يخبر به إذا كان ممّا لا يمتنع العقول عن القبول، فضلًا عمّا تستحسنه وتراه جارياً على سنن الرشد والصواب.
فاتّضح أنّ وصف الرسالة ممّا يعرف به الرسول، ووقع تغيير الاسلوب في الفقرة الاولى موقعه، وهكذا الأمر؛ في اولي الأمر؛ فإنّ وصف الأمر بالمعروف معنى يستدعي العلم بجميع فروع الفقه؛ إذ المراد باولي الأمر- الذين امرنا بمعرفتهم- هم الذين ذكرهم اللَّه عزّوجلّ، وقَرَنَ طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله، فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [١].
فظاهر أنّ إطاعة اللَّه وإطاعة رسوله في كلّ ما أمَرَا به، ومقتضى عدم التقييد في اولي الأمر فيهم أيضاً كذلك.
وقال سبحانه في موضعٍ آخَر من كتابه العزيز في الردّ إلى اولي الأمر: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [٢]، وإذ وجب إطاعة اولي الأمر في كلّ ما يأمر وينهى- وما من حركةٍ وسكون إلّاوهو داخل تحت حكمٍ من الأحكام الخمسة- عُرف بصفة الأثر بالمعروف أنّ اولي الأمر هم الذين يعلمون جميع مسائل الحرام والحلال، علماً ليس فيه اختلاف ورأي واجتهاد، كما أنّ علم الرسول ٦ كذلك، فوجب أن يكونوا عالمين بأبواب القضايا والأحكام والمواريث والديات والحدود؛ فهم حكّام على أموال المسلمين ودمائهم، وأن يكونوا عالمين بأبواب النكاح والطلاق وأبواب الجهاد الذي ربّما يُفضي إلى إتلاف آلاف من النفوس وسبي الذراري ونهب الأموال، فهم حكّام على الفروج والدِّماء والأموال، ويجب بمقتضى الحكمة أن يكون إجراؤهم لهذه الأحكام بين الناس على وجه العدل مقترناً بالرحمة
[١]. النساء (٤): ٥٩.
[٢]. النساء (٤): ٨٣.