الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣١٣ - باب إطلاق القول بأنّه شيء
عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدرِ ما أنت». [١]
وفي دعاء أمير المؤمنين ٧: «يا مَن دلَّ على ذاته بذاته، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته». [٢]
وروى الكليني (قدس سره) عن الإمام قدوة العارفين ومنار السالكين أمير المؤمنين ٧، وقد سأله رجلٌ: هل رأيت ربّك؟ فقال: «ويلك، ما كنت أعبد ربّاً لم أرَهُ». قال: كيف رأيته؟
قال: «ويلك، لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان». [٣]
إذا سمعت ما تلونا عليك علمت أنّ الوجه الأوّل من وجهَيِ المعرفة من جهة إراءة اللَّه تعالى إيّانا آياته في الآفاق والأنفس حتّى يتبيّن لنا أنّه الحقّ، فقد كُفيتْ عنّا مؤونةُ تجشّم طلب ذلك الوجه من المعرفة، فهو معدودٌ من العلوم الضروريّة وإن توقّف حصوله على مشاهدة آثار العمد والتدبير، كما أنّ المعرفة الحسّيّة- التي هي أيضاً من العلوم الضروريّة- تتوقّف على الإحساس، فلا معنى للأمر بتحصيله؛ إذ لا يؤمر بتحصيل الحاصل، بخلاف الوجه الثاني؛ فقوله ٧: «اعرفوا اللَّه باللَّه» متوجّه إلى هذا الوجه، كأنّه ٧ يقول: تعرّضوا بالإتيان بالقربات والاجتهاد في الطاعات لأن يحبّكم اللَّه، فيكون على ما وعده سمعكم وبصركم بالمعنى الذي عنده وعند أوليائه، فترونه وتشاهدونه بذلك البصر، فتكونون عرفتم اللَّه باللَّه.
ولا أظنّك يذهب وَهْمك إلى أنّ كون اللَّه سبحانه سمع خُلّص أوليائه وبصرهم على وجه الحقيقة، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً؛ بل هو مجاز عن يقين تامّ خالص عن شوب الارتياب، كأنّه يراه ناشئاً عن صدرٍ منشرح، وقلبٍ مطمئنّ.
وعلى الجملة، يقينٌ أجلُّ مِن أن يصل إلى حقيقته من لم يغز به، ومتعلّق هذا اليقين
[١]. مصباح المتهجّد، ص ٥٨٢؛ الإقبال، ص ٦٧ و ١٤٨؛ المصباح للكفعمي، ص ٥٨٨.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ٣٣٩، ح ١٩؛ و ج ٩٤، ص ٢٤٢، ح ١١.
[٣]. الكافي، ج ١، ص ٩٧، باب في إبطال الرؤية، ح ٦.