الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٠٩ - باب إطلاق القول بأنّه شيء
يُوَحِّدُه مَن زَعَمَ أنّه عَرَفَه بغيره، وإنّما عَرَفَ اللَّهَ مَن عَرَفَه بِاللَّهِ». [١]
فتأمّل في وجه إيثار قوله ٧: «من عرفه باللَّه» على قوله: «من عرفه به».
ومن هذا الباب ما روى الصدوق في التوحيد عن أمير المؤمنين ٧ أنّه سُئل: بِمَ عرفت ربّك؟ فقال: «بما عرّفني نفسه». قيل: وكيف عرّفك نفسه؟ فقال: «لا يُشبه [٢] صورةً، ولا يُحَسّ بالحواسّ، ولا يُقاس بالناس، قريبٌ في بُعده، بعيدٌ في قربه، فوق كلّ شيء، ولا يقال: شيءٌ فوقه، أمامَ كلّ شيء، ولا يُقال: له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج عن الأشياء لا كشيء خارج عن شيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكلّ شيء مبتدأ». [٣]
ومن الثاني قوله ٧: «عرفت اللَّه بفسخ العزائم». [٤]
وبناء الكليني- طاب ثراه- على الأوّل. وإن اريد بالجلالة الثانية الذات الأقدس، فلابدّ لتغيير الاسلوب من نكتة، فأقول:
إنّ معرفته تعالى على وجهين:
أحدهما: معرفة كونه وثبوته، بمعنى أن يصدّق العبد أنّ له خالقاً عليماً قادراً، وهي فطريّة، بمعنى أنّه تعالى كفى العبادَ مؤونةَ تحصيلها بأن أراهم آياتِه في الآفاق وفي أنفسهم حتّى تبيّن لهم أنّه الحقّ؛ وإليه الإشارة بقوله عزَّ من قائل: «أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» [٥]، فكأنّه سبحانه يقول: أيسع أحداً أن يدّعي الشكَّ في الخالق الحكيم القادر العليم بعد ما يرى مثل هذه الآثار البديعة العجيبة الشاهدة على أنفسها بالمخلوقيّة؟ كلّا بل لئن سألتهم مَن خَلَقَ السماواتِ والأرضَ ليقولُنَّ اللَّهُ [٦]، أي الذات
[١]. الكافي، ج ١، ص ١١٣، باب حدوث الأسماء، ح ٤.
[٢]. في المصدر: «لاتشبهه».
[٣]. التوحيد، ص ٢٨٥، ح ٢.
[٤]. نهج البلاغة، ص ٥١١، الحكمة ٢٥٠؛ غرر الحكم، ص ٨١، ح ١٢٧٣.
[٥]. إبراهيم (١٤): ١٠.
[٦]. إشارة إلى الآية ٢٥ من سورة لقمان (٣١).