الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٦ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
وعبّر عن الفاصل المميّز بالفرجة حيث إنّ الفاصل بين الأجسام يُعبَّر عنه بالفرجة، واولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات؛ تنبيهاً على أنّكم لا تستحقّون أن تخاطبوا إلّابما يليق استعماله في المحسوسات.
وذلك المميّز لابدّ أن يكون وجوديّاً داخلًا في حقيقة أحدهما، إذ لا يجوز التعدّد مع الاتّفاق في تمام الحقيقة كما ذكرنا، ولا يجوز أن يكون ذلك المميّز ذا حقيقة يصحّ انفكاكها عن الوجود وخلوّها عنه ولو عقلًا، وإلّا لكان معلولًا محتاجاً إلى المبدأ، فلا يكون مبدأً ولا داخلًا فيه، فيكون الفاصل بينهما قديماً موجوداً بذاته كالمتّفق فيه، فيكون الواحد المشتمل على المميّز الوجودي اثنين لا واحداً، ويكون الاثنان اللذان ادّعيتهما ثلاثةً.
فإن قلت به وادّعيت ثلاثةً، لزمك ما قلت في الاثنين من تحقّق المميّز بين الثلاثة، ولابدّ من مميّزين وجوديّين حتّى يكون بين الثلاثة فرجتان، ولابدّ من كونهما قديمين كما مرّ، فيكونوا خمسةً وهكذا، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة، ويبلغ عدده كثرةً غير متناهية.
أو المراد أنّه يلزمك أن يتناهى المعدود المنتهي ضرورةً بمعروضِ ما ينتهي به العدد- أي الواحد- إلى كثير لا نهاية له في الكثرة، فيكون عدداً بلا واحد، وكثرةً بلا وحدة.
وعلى هذا يكون الكلام برهانيّاً لا يحتاج إلى ضميمة، وعلى الأوّلين يصير بضمّ ما ذكرناه من ثالث الاحتمالات برهانيّاً.
الثاني: أن يكون إشارة إلى ثلاثة براهينَ:
وتقرير الأوّل- بعدما تقرّر أنّ ما لا يكون قويّاً على إيجاد أيّ ممكن كان لا يكون واجباً بالذات- أن يُقال: لا يصحّ أن يكون الواجب بالذات اثنين، وإلّا كان كلّ منهما قويّاً على إيجاد أيّ ممكن كان، وكلّ ممكن بحيث يكون استناده إلى أيّ منهما كافياً في تصحيح خروجه من القوّة إلى الفعل.
وحينئذٍ لم يكن مَحيص إمّا من لزوم استناد كلّ معلول شخصيّ إلى علّتين مستبدّتين بالإفاضة، وذلك محال؛ أو من لزوم الترجّح بلا مرجّح، وهو فطريّ الاستحالة؛ أو من كون أحدهما غير واجب بالذات، وهو خلاف المفروض. وهذا البرهان يتمّ عند