الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٠ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
في كتب الحكمة مضمّنة في كلامه ٧:
إحداها: أنّ صانع العالم لابدّ أن يكون قويّاً مستقلّاً بالإيجاد والتدبير لكلّ واحد واحد والجميع.
والثانية: عدم جواز استناد حادث شخصي إلى موجدين مستقلّين بالإيجاد.
والثالثة: استحالة ترجّح أحد الأمرين المتساويين على الآخر من غير مرجّح، وقد وقعت الإشارة إلى الثالث بقوله ٧: «فلِمَ لا يدفع كلّ منهما صاحبه؟». وهو مع أنّه محال مستلزمٌ للمطلق.
وقوله: «لا يخلو» برهانٌ آخر مبنيّ على ثلاث مقدّمات حدسيّة:
إحداها: أنّ كلّ متّفقين من كلّ وجه بحيث لا تمايز بينهما أصلًا لا يكونان اثنين، بل هما واحد البتّة، كما قيل: صرف الوجود الذي لا أتمّ منه كلُّ ما فرضته ثانياً فإذا نظرت فهو هو.
والثانية: أنّ كلّ متفرّقين من كلّ جهة لا يكون صنع أحدهما مرتبطاً بصنع الآخر، ولا تدبيره مؤتلفاً بتدبيره بحيث يوجد عنهما أمرٌ واحد شخصيّ.
والثالثة: أنّ العالم أجزاؤه مرتبط بعضها ببعض، كأنّ الكلّ شخصٌ واحد.
وقوله ٧: «ثمّ يلزمك» إمّا برهانٌ ثالث مستقلّ على حياله، وإمّا تنويرٌ للثاني وتشييدٌ له على سبيل الاستظهار بأن يكون إشارةً إلى إبطال قسم ثالث، وهو أن يكونا متّفقين من وجه، ومفترقين من وجه آخر، فيقال: لو كانا كذلك يكون لا محالة ما به الامتياز بينهما غيرَ ما به الاشتراك، فيكونوا ثلاثةً.
وإلى البرهان الثاني أشار ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن هشام بن الحكم، قال: قلت لأبي عبداللَّه ٧: ما الدليل على أنّ اللَّه واحد؟ قال: «اتّصال التدبير وتمام الصنع، كما قال عزّوجلّ: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»» [١].
وروى فيه أيضاً بإسناده عن أمير المؤمنين ٧ أنّه قال: «إنّ القول في أنّ اللَّه واحد على أربعة أقسام؛ فوجهان منها لا يجوزان على اللَّه عزّوجلّ، ووجهان يثبتان فيه. فأمّا اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد يُقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز؛ لأنّ
[١]. التوحيد، ص ٢٥٠، ح ٥. والآية في سورة الأنبياء (٢١): ٢٢.