الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٠٢ - ختام مسك لرحيق تحقيق
قبله؛ فعرف القلب بذلك أنّ مدبّر الأشياء ما غاب منها وما ظهر هو اللَّه، الأوّل، خالق السماء وممسكها، وفارش الأرض وداحيها، وصانع ما بين ذلك ممّا عددنا وغير ذلك ممّا لم يحص.
وكذلك عاينت العين اختلافَ الليل والنهار دائبين جديدين، لا يبليان في طول كرّهما، ولا يتغيّران لكثرة اختلافهما، ولا ينقصان عن حالهما: النهار في نوره وضيائه، والليل في سواده وظلمته، يلج أحدهما في الآخرَ حتّى ينتهي [كلّ واحد منهما] إلى غاية محدودة معروفة في الطول والقِصَر على مرتبة واحدة ومجرى واحد مع سكون مَن يسكن في الليل، وانتشار من ينتشر في النهار، وانتشار من ينتشر في الليل، وسكون من يسكن في النهار، ثمّ الحرّ والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخرَ حتّى يكون الحرّ برداً والبرد حرّاً في وقته وإبّانه؛ فكلّ هذا ممّا يستدلّ به القلب على الربّ سبحانه وتعالى، فعرف القلب بعقله أنّ من دبّر هذه الأشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل ولا يزال، وأنّه لو كان في السماوات والأرضين آلهة معه سبحانه لذَهَبَ كلُّ إلهٍ بما خَلَق، ولَعَلا بعضُهم على بعضٍ [١]، ولفسد كلّ واحد منهم على صاحبه.
وكذلك سمعت الاذن ما نزل من المدبّر من الكتب تصديقاً لما أدركته القلوب بعقولها وتوفيق اللَّه إيّاها، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك؛ فأدّت الاذن ما سمعت من اللسان بمقالة الأنبياء إلى القلب». [٢] انتهى ما أردنا نقله من قول الصادق أبي عبداللَّه ٧ في كتابه الآخر المسمّى بالاهليلجة.
قوله: «فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» [٣]. [ح ١٢/ ١٢]
في النهاية:
وفي دعاء الانتباه: «الحمد للَّهالذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» سمّى النوم موتاً لأنّه يزول معه العقل والحركة تمثيلًا وتشبيهاً لا تحقيقاً. وقيل: الموت يطلق في كلام العرب على السكون، يُقال: ماتت الرِّيح، أي سكنت.
[١]. اقتباس من الآية ٩١ سورة المؤمنون (٢٣).
[٢]. بحارالأنوار، ج ٣، ص ١٦١- ١٦٥، ح ١.
[٣]. البقرة (٢): ١٦٤.