الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٤٠ - كتاب العقل و الجهل
ومنع الشارح الفاضل الدماميني الانحصار، وقال: أيّ مانع يمنع عن أن يكون كلمة الاستفهام عند امتناع حملها على حقيقته يتولّد لها بمعونة القرائن ما يناسب المقام خارجاً عن تلك المعاني الثمانية.
وهذا القسم من ضعف العقل لمّا كان لأكثر العقول، ولا يكاد يمكن مداواته إلّا بارتياض العقل مدّة مديدة بمدارسة العلوم الحقيقيّة وملازمة العلماء الربّانيّين، لم يتعرّض الملك لإرشاد العابد ورَدْعه عمّا هو عليه من عدم ارتضائه بما أجرى اللَّه تعالى من تدبيره وقضائه وعرج، ولو كان الرجل من المجسّمة وغرضه من الحمار وجود مركب للَّهسبحانه لأمكن للملك بسهولة أن ينبّه على بطلانه.
وفي الحديث احتمالٌ آخَرَ، وهو أن يكون اللام في قول العابد: «ليس لربّنا بهيمة» للاختصاص، بأن يكون لمّا رأى كلّ حمار في تلك الجزيرة وغيرها في تصرّف متصرّف بحيث لا يعارضه أحد، زَعَمَ بضعف عقله أنّه ليس شيء منها للَّهتعالى، وإلّا لما تصرّف فيه أحد، كبيت اللَّه وناقة اللَّه، فتمنّى أن يخصّ سبحانه لنفسه حماراً، لا لاحتياجه إليه؛ لتعاليه عن ذلك، بل ليخدمه هو، ويرعاه في ذلك المكان تقرّباً إليه، ولم يكن له قوّة عقل يحكم بما يحكم به العقول الكاملة من أنّه لا مُلك إلّاللَّه، وكلّ ما في أيدي الناس إنّما هو ملك اللَّه أعارهم إيّاه لينتفعوا به مدّة معيّنة على الوجه الذي أباحه لهم، ثمّ إذا انقضت المدّة نزع ممّن آتاه، وأعاره قوماً آخَرين؛ كما قال عزّ من قائل: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [١].
وأكثر عوامّ العبّاد والزُّهّاد وأشباههم من علماء القشر غافلون عن هذه الدقيقة، وإن يقولوا بذلك فإنّما يقولون على وجه التكليف، دون التحقّق، كما يظهر من أفعالهم وآثارهم.
وقول الملك: «وما لربّك حمار» استفهام إنكاري، كأنّه يقول: عجباً أنّك تتمنّى له- تبارك وتعالى- مالكيّة حمار فقط، والحال أنّ كلّ الأشياء مملوكة له بالحقيقة، الحمارَ
[١]. آل عمران (٣): ٢٦.