الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٣٠ - كتاب العقل و الجهل
المعاتبون كلَّ العتاب إذا خالفوا دين الحقّ؛ لأنّ تلك المخالفة حينئذٍ ليس من جهة الضعف الفطري المانع عن تحصيل اليقين بأمر الدين، ولا من جهة الضعف القدري- أعني عدم خروج ما في القوّة إلى الفعل- للاشتغال بطلب المعاش الضروريّ، أو نحو ذلك مثل عدم الاستطاعة لملاقاة من يُكتسب منه أو لتتبّع الأقوال، فهي لامحالة للاشتغال بالفضول من المال والجاه، أو الحبّ المفرط المعبّر بالعشق لانتصار طريقة الآباء والأسلاف، والسلطان الذي انتفع بماله وجاهه، وذلك الحبّ أعمى بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع باذنٍ غير سميعة؛ قد خرفت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه؛ أو للتسرّع [١] وعدم التثبّت، وذلك قد يكون منشأوه أن اتّفق للشخص في مذهبٍ جاهٌ شرعي، مثل رياسة القضاء وإمامة الجماعة، أو تيسّر له وظائف وإقطاعات، أو أبغض مذهباً كان عليه لما كُلّف فيه بحكم اشمأزّ طبعه، مثل تمتيع البنت الثيّب بدون إذن الوالد، أو نحو ذلك من الأغراض الباطلة التي تميل النفس الدنيّة، وتصوّر لها أدنى شبهة في صورة الحجّة؛ جعلنا اللَّه تعالى من «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» [٢].
قال الفاضل المحقّق، قدوة أهل الدين، ومروّج آثار الأئمّة المعصومين :، صاحب كتاب بحار الأنوار في هذا المقام:
الذي ظهر لنا من تتبّع الأخبار المنتمية إلى الأئمّة الأطهار- (سلام اللَّه عليهم)- هو أنّ اللَّه خلق في كلّ شخص من أشخاص المكلّفين قوّةً واستعداداً لإدراك الامور من المضارّ والمنافع وغيرها على اختلافٍ كثير بينهم فيها، وأقلّ درجاتها مناط التكليف، وبها يتميّز عن المجانين، وباختلاف درجاتها تتفاوت التكاليف؛ فكلّما كانت هذه القوى أكملَ كانت التكاليف أشقَّ وأكثرَ، وتكمل هذه القوّة في كلّ شخص بحسب استعداده بالعلم والعمل؛ فكلّما سعى في تحصيل ما ينفعه من العلوم الحقّة وعمِلَ بها تقوى تلك القوّة، ثمّ العلوم تتفاوت في مراتب النقص والكمال؛ وكلّما ازدادت قوّةً كثرت آثارها، وحثّت صاحبَها بحسب قوّتها على العمل بها، وأكثر الناس علمهم بالمبدأ والمعاد
[١]. عطف على «للاشتغال».
[٢]. الزمر (٣٩): ١٨.