الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١١٦ - تتميم
التثليث المشتهر، [١] المستفيض، المتّفق عليه بين الخاصّة والعامّة، المتضمّن لإثبات الإبهام في بعض الأحكام، وأنّ الامور ثلاثة: بيّنٌ رشده، وبيِّنٌ غيّه، وأمرٌ مشكل يردّ حكمه إلى اللَّه ورسوله؟ وهلّا سوّغوا أنّ في إبهام بعض الأحكام حِكَماً ومصالحَ، مع أنّ من تلك الحِكم ما يمكن أن يتعرّف، ولعلّ ما لا يعرف منها يكون أكثر، على أنّ الاجتهاد لا يغني من ذلك؛ لبقاء الشبهات بعده إن لم تزد به. [٢]
انتهى ما أردنا نقله من الوافي.
وأنا أقول: من أعظم الحِكم في إبهام بعض الأحكام أن يعلم الناس شدّة الاحتياج إلى وليّ الأمر وصاحب العصر، فيتضرّعوا إلى اللَّه تعالى أن يعجّل الفرج بظهوره، ويقشع غمائم الشبهات بنوره؛ وذلك لأنّ اعتقاد أهل الحقّ أنّه ما من شيء ممّا يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة إلّاوللَّه تعالى فيه حكم حتّى أرش الخدش، والجميع مستودع محفوظ عند أهل الذِّكر :، وامِرَ الناس أن يسألوهم عنها، وكلّ شبهة ولبس عرض فهو من جهة غيبة وليّ الأمر الناشئة من الامّة، كغيبة نبيّنا ٦ زماناً في الغار، مع أنّ اللَّه تعالى بعثه رسولًا ليبيّن للناس ما يحتاجون في أمر الدِّين، ولا ضير في احتياج الناس وعدم تمكّنهم من الوصول إلى مَن ارسل إليهم لبيان ما يحتاجون، ولم يكن للناس على اللَّه حجّة بأنّه تركهم سُدى مهملين في مدّة الغيبة؛ إذ لم يمكنهم الانتفاع بالذي بعثه إليهم، وهذه الغيبة وعدم حجّة المبعوث إليهم على اللَّه في مدّتها أمرٌ بيّن الوقوع لا يستطيع أحد إنكاره، وإذا جاز ذلك في يومين وثلاثة ولا ينافي الحكمة، جاز في سنة وألف سنة كما لايخفى على اولي النّهى، فلا يستبعد استيداع اللَّه تعالى الأحكام المحتاج إليها وليَّه، ووقعت غيبته من جهة أهل الطغيان مدّةً حسبَ ما في الحكمة، وكون الناس في تلك المدّة في الحيرة؛ إذ كان ذلك رحمةً للمؤمنين، حيث ينتظرون ما وعد اللَّه لهم بقوله: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» [٣] وبقوله: «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ» إلى قوله سبحانه:
[١]. في المصدر: «المشهور».
[٢]. الوافي، ج ١، ص ١٣- ١٧.
[٣]. القصص (٢٨): ٥.