الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١١٣ - تتميم
المحن، إلّاشرذمة ممّن عصمه اللَّه وبسفينة أهل البيت نجّاه، وبالتمسّك بالثقلين أبقاه، واستكتم الناجون دينهم، وصانوا وتينهم [١]، فاستبقى اللَّه عزّوجلّ بهم رمق الشريعة في هذه الامّة، وأبقى بإبقاء نوعهم سُنّة خاتم النبيّين ٦ إلى يوم القيامة، فبعث إماماً [٢] بعد إمام، و [أقام] خَلَفَ شيعة لهم بعد سلف، فكان لا يزال طائفة من الشيعة- (رضوان اللَّه عليهم)- يحملون الأحاديث في الفروع والاصول عن أئمّتهم : بأمرهم وترغيبهم، ويروونها عن الآخَرين [٣]، ويروي الآخَرون للآخَرين، وهكذا إلى أن وصلت إلينا، والحمدُ للَّهربّ العالمين.
وكانوا يثبتونها في الصدور، ويسطّرونها في الدفاتر، ويَعُونَها [٤] كما يسمعونها، ويحفظونها كما يتحمّلونها، ويبالغون في نقدها وتصحيحها، وردّ زيفها، وقبول صحيحها، وتخريج صوابها وسليمها من خطأها وسقيمها، حتّى يرى أحدهم لا يستحلّ نقلَ ما لا وثوق به، ولا إثباتَ ذلك في كتبه إلّامقروناً بالتضعيف، ومشفوعاً بالتزييف، طاعناً فيمن يروي كلَّ ما يُروى ويسطر كلّ ما يُحكى، كما هو غير خافٍ على من تتبّع كتب الرِّجال وتعرّف منها الأحوال.
وكانوا لا يعتمدون على خبرٍ [٥] ناقلُه منحصر في مطعون أو مجهول، وما لا قرينة معه تدلّ على صحّة المدلول، ويسمّونه الخبرَ الواحد الذي لايوجب علماً ولا عملًا.
وكانوا لا يعتقدون في شيءٍ من تفاصيل الاصول الدينيّة، ولا يعملون في شيءٍ من الأحكام الشرعيّة إلّابالنصوص المسموعة عن أئمّتهم : ولو بواسطة ثقة أو بوسائطِ ثقاةٍ.
وكانوا مأمورين بذلك من قِبَل اولئك السادات، ولا يستندون في شيءٍ منها إلى تخريج الرأي بتأويل المتشابهات، وتحصيل الظنّ باستعانة الاصول المخترعات، الذي يسمّى بالاجتهاد، ولا إلى اتّفاق آراء الناس الذي يسمّى بالإجماع، كما يفعل ذلك كلّه الجمهور من العامّة.
[١]. الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٧٤ (وتن).
[٢]. في المصدر: «فبعث إمام هدى».
[٣]. في المصدر: «لآخرين» بدل «عن الآخرين».
[٤]. أي يحفظونها.
[٥]. في المصدر: «على الخبر الذي كان» بدل «على خبر».