مجموعه رسائل در شرح احاديثي از کافي - سلیمانی آشتیانی، مهدی؛ درایتی، محمد حسین - الصفحة ٢٣٠ - شرح دعاء النبي صلى الله عليه و آله بعد الصلاة
والحاصل: أنّه لا ريب أنّ النبيّ لا يكون نبيّاً حتّى يصقل نفسه بصقالة العبوديّة لتتجلّى جليّة الأمر والوحي في مرآة قلبه.
وبعد أن فرغ صلوات اللَّه عليه وآله من سؤال المقامات الثلاثة- وهي مقاماته في هذا العالم الأدنى- عرج إلى عالمه الأعلى وهو وطنه الأقصى؛ أعني العالم الاخروي، فأخذ يسأل ما فيه، فجمعه أوّلًا إيماءً إلى عالمه الجمعي؛ إذ من نوره برزت الحقائق فقال:
(وأسْألُكَ). أشار بالعطف بالواو- التي هي لمطلق الجمع من غير دلالة على تخلّل زمان- واختيارها على حرف التراخي ك «ثمّ» إلى أنّه لا مهلة لمن انتقل عن هذه الدار الفانية بينها وبين تلك الدار الباقية؛ فإنّ من مات قامت قيامته ودخل الجنّة أو النار، بل في اختيارها على الحرف الناصّ على الترتيب كالفاء إشعار بعدمه حقيقة؛ فإنّ من في الدنيا فهو في الآخرة «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ»[١]، غير أنّ ذلك غير ظاهر، فلا شيء يتخلّل، والموت أمرٌ عدمي، ولكنّه أومى بإعادة لفظ السؤال إلى الانفصال الحقيقي في الحقيقة بين الحقيقتين، فلا يجتمعان ولا يرتفعان، وهذا الانفصال لا ينافي ذلك الاتّصال، فكم بين الليل والنهار، وكم بينهما من المقدار وكلّ منهما غير قارّ، واعتبروا يا اولي الأبصار، وذلك الأمر الجمعي الجامع لمزايا الآخرة.
قوله: (نعيماً)، اسم لما ينعم به ويتفضّل به، ومثله النعمة كسراً، والنعمى ضمّاً وقصراً، والنعماء فتحاً ومدّاً.
ولمّا كان من النعيم ما هو دنيوي ينقطع جنساً وشخصاً؛ إذ «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» و «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ»[٢] ومنه ما هو اخروي لا يَنْفَدُ وهو نعيم دار الجلال- أعني الدار الآخرة وهو صلى الله عليه و آله و سلم لايفنى؛ إذ هو وجه اللَّه- ناسب أن يسأل ما يناسبه من النعيم، فسأله (نَعيماً لَا يَنْفَدُ) أي لايفنى جنسه وإن فني شخصه؛ ضرورة أنّ الشخص من الفاكهة- مثلًا- يفنى بالأكل. هذا إذا كان المراد بالنعيم النعمة الظاهرة المربيّة للبدن العنصري، وأمّا إذا اريد به النعمة الظاهرة التي هي العلوم والأسرار التي بها حياة القلوب وهو الأنسب بمقام هذا الداعي صلوات اللَّه عليه وآله، فلا نفاد لشخص منها في الدنيا كان أو في الآخرة، وتلك العلوم والأسرار من عالم الآخرة وإن كانت في الدنيا، وحاقّ الالتذاذ بالعلم- الذي هو من فواكه دار القرار- إنّما
[١]. التوبة( ٩): ٤٩.