مجموعه رسائل در شرح احاديثي از کافي - سلیمانی آشتیانی، مهدی؛ درایتی، محمد حسین - الصفحة ٢٣١ - شرح دعاء النبي صلى الله عليه و آله بعد الصلاة
هو في هاتيك الدار، يظهر ذلك من ظهوره شيئاً فشيئاً على صفحات قلب من أغمض عن تلك اللذّات البدنيّة والشهوات الحيوانيّة التي هي حقيقة الدنيا، فأهل الآخرة في الآخرة في الدنيا والآخرة، وأهل الدنيا ومن لاطت بقلوبهم في الدنيا في الآخرة والدنيا، وهذا انموذج من عالم الآخرة؛ إذ ذاك يبطن الظاهر، ويظهر الباطن على المشاعر.
وبعد أن جمع صلى الله عليه و آله و سلم مزايا تلك الدار الآخرة في الأمر العامّ الشامل نصّ على بعض مزايا ذلك النعيم، وهو الابتهاج الذي به يتنعّم في العالم العقلي، وكنّى عنه بقوله:
(وقُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ). والقرّة: البرودة؛ من القرّ بالضمّ البرد، ومن شأن ذي الفرح برودة العين حتّى أنّ الدمع الحاصل من البكاء في الفرح والسرور يكون بارداً، بخلاف بكاء الحزن؛ فإنّ دمع العين حينئذٍ يكون حارّاً.
ثمّ عاد صلى الله عليه و آله و سلم لعالمه الذي هو فيه ببدن بدنه- أعني العالم الدنيوي- إيذاناً بأنّه صلى الله عليه و آله و سلم في عروجه هابط لربط هذا الكون، فصعوده لا ينافي نزوله، وقربه وإقباله لا ينافي بُعده وإدباره، ووجهه الإلهي لا يضادّه وجهه الخلقي؛ إذ هو إلهي أيضاً وهو قوله صلى الله عليه و آله و سلم:
(و [أسْألُكَ] الرِّضا بالقَضاءِ).
وفيه من البديع الجناس اللاحق، وهو ما تشابه فيه اللفظان واختلفا في حرف واحد تباعد المخرج فيهما، كتفرحون وتمرحون، وهُمزة ولمزة، ولو تقارب المخرجان سمّي مضارعاً، كدامس وطامس. وأقسام الجناس كثيرة تُذكر في محلّها.
والمراد بالرِّضا بالقضاء التسليم للَّهسبحانه فيما يبديه لعبده نفعاً كان أو ضرّاً، يلائم طبع العبد بحسب بشريّته أو ينافره؛ فعن أبي عبداللَّه عليه السلام: «لم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول لشيء قد مضى: لو كان غيره»[١].
وعنه عليه السلام: بأيّ شيء علم المؤمن أنّه مؤمن؟ قال: «بالتسليم للَّه، والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط»[٢].
[١]. الكافي، ج ٢، ص ٦٣، باب التفويض إلى اللَّه، ح ١٣؛ وسائل الشيعة، ج ٣، ص ٢٥٢، ح ٣٥٥١.