مجموعه رسائل در شرح احاديثي از کافي - سلیمانی آشتیانی، مهدی؛ درایتی، محمد حسین - الصفحة ٢٦٨ - شرح دعاء النبي صلى الله عليه و آله بعد الصلاة
فستر صلى الله عليه و آله ضميره الدالّ على نفسه، وأظهر ضمير مخاطبه تعالى متّصلًا في محلّ ضميره من الفعل، فأومى إلى مقام المحبّة الذي هو كشف للحجاب عن القلب، والتمكين من وطئ بساط القرب، والجذب إلى محلّ الانس، والصرف إلى عالم القدس، وعند ذلك يصير المحبوب ثابتاً في مقام القرب قدمه، ممتزجاً بالمحبّة لحمه ودمه إلى أن يغيب عن نفسه، ويذهب عن حسّه، فتتلاشى الأغيار في نظره حتّى ذاته وسمعه وبصره، فاستتار الدالّ دليل استتار المدلول.
وهذا الحديث ممّا تزلّ فيه أقدام الناقصين في العرفان، فيحسبونه دالّاً على الاتّحاد غافلين عن مفاد كلّ من عليها فان، ولكن من حاز الدرّ المكنون، علم أنّه من قبيل قوله- جلّ جلاله- في حديث آخر: «يا عبدي، أنا أقول للشيء: كُنْ فيكونُ، أطعني تقُل للشيء: كُن فيكونَ»[١].
وعلى مساق مقامه الوصلي وفناء الأغيار في نظره، ووحدة من بقي في سرّه- وهو وجه ربّه الأعلى- آب إلى مفصّلات ذنوبه التي طلب غفرانها في مفتتح الدعاء، ووحّدها وحدة علميّة على نسق الوحدة الذاتيّة، ونظرها من حيث كونها معلومة لربّه، وبه شمّت رائحة الوجود، فقال:
(لِما تَعْلَمُ) أي لكلّ ذنب تعلمه منّي؛ فإنّ النكرة في سياق الإثبات قد تفيد الاستغراق بمعونة المقام، كقوله تعالى: «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ»[٢] أي كلَّ نفس كلَّ شيء قدّمته؛ لقوله تعالى: «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً»[٣]، ونشر الكتاب كناية عن الإحاطة بكلّ ما فيه، ولام الجرّ للتعدية ك «اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ»[٤]، وربّما يكون فيه للعلّة وتخلفها «مِن» فيُقال: استغفر لذنبه ومن ذنبه.
ويجوز أن يكون «ما» موصولًا حرفيّاً؛ أي لعلمك بافتقاري وضعفي في ذاتي وقد
[١]. إرشاد القلوب، ج ١، ص ٧٥؛ عدّة الداعي، ص ٢٩١؛ الجواهر السنيّة، ص ٣٦٣؛ بحارالأنوار، ج ٩٠، ص ٣٧٦.