شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣٢٠ - الفرع الأوّل في حقيقة الإرادة والكراهة
والجاحظ [١] والبلخي [٢] إلى أنّ الإرادة هي اعتقاد القادر النفع والمصلحة في الفعل له ولغيره ممّن يؤثر خيره، سواء كان يقينيّاً أو غيره، والكراهة اعتقاده المضرّة والمفسدة في الفعل كذلك .
واختاره المصنّف وأشار إليه بقوله: وهما نوعان من العلم; أي بمعنى الأعمّ.
قالوا: إنّ نسبة قدرة القادر إلى طرفي المقدور ـ أعني: فعله وتركه ـ على السواء، فإذا اعتقد نفعاً في أحد طرفيه ترجّح ذلك الطرف عنده وصار هذا الاعتقاد مع القدرة مخصّصاً لوقوعه منه.
وذهب جماعة منهم إلى أنّهما زائدتان على العلم، بل الإرادة ميل يعقّب اعتقاد النّفع أو ظنّه، لأنّ القادر كثيراً ما يعتقد النّفع أو يظنّه ولا يريده ما لم يحدث هذا الميل .
والجواب: أنّا لم نجعلها مجرّد اعتقاد النفع أو ظنّه، بل مع كون النّفع بحيث يمكن وصوله من غير مانع من تعب، أو معارضة، وما ذكر من الميل إنّما يحصل لمن لا يقدر على تحصيل ذلك الشّيء قدرة تامّة أمّا في القادر التامّ القدرة فيكفي الاعتقاد المذكور، كالشوق إلى المحبوب لمن لم يكن واصلاً إليه. وأمّا الواصل إليه، فلا شوق له.
[١] هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفّى (٢٥٥ هـ) أحد أئمة المعتزلة.
[٢] هو عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني من بني كعب المتوفى (٣١٩ هـ) أحد أئمة المعتزلة: لاحظ تفصيل ترجمته في: وفيات الاعيان: ١ / ٢٥٢ وتاريخ بغداد: ٩ / ٣٨٤ .